جواز الاحتفال بالمولد النبي الشريف
الحمد لله مكون
الأكوان، الموجود أزلا وأبدا بلا مكان، والصّلاة والسّلام الأتمان
الأكملان على سيدنا محمد ولد عدنان وعلى ءاله وأصحابه ومن والاهم بإحسان
وبعد،
يقول الله تعالى عن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ
إلا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ }الأنبياء107، وقال عليه الصّلاة والسّلام:
"إني عبد الله وخاتم النبيين وإن ءادم لمنجدل في طينته وسأخبركم عن ذلك
دعوة أبي إبراهيم وبشارة عيسى بي ورؤيا أمي التي رأت" رواه أحمد وغيره.

تطل علينا ذكرى ولادة سيد الكائنات وخير الخلق سيدنا محمد بن عبد الله،
فيطيب الحديث عنه صلى الله عليه وسلم، ونتنسم في ذكرى مولده المبارك
عبيرًا فواحًا وأعطارًا وأزهارًا مسكيةً زكيةً عَطِرَة، كيف لا وهو سيد
الأولين والآخرين وأعظم مولود.

وأما شهر مولده فهو شهر ربيع الأول، وأما يوم مولده من الشهر فالمعتمد أنه
كان لثنتي عشرة خلت من ربيع الأول. وأما يوم مولده فهو يوم الاثنين بلا
خلاف. وأما مكان مولده فالصحيح المحفوظ أنه كان بمكة المشرفة والأكثر أنه
كان في المحل المعروف بسوق الليل ويعرف المكان اليوم بمحلة المولد، وأما
مرضعته فهي حليمة السعدية وأما حاضنته فهي أم أيمن الحبشية، توفي والده
عبد الله ولأمه ستة أشهر وهي حامل برسول الله، وتوفيت أمه وعمره ست سنوات
فكفله جده عبد المطلب.

وسيدنا محمد فاق جميع إخوانه النبيين والمرسلين في الخَلق والخُلُق. وهو
صاحب الذكر المحمود والحوض المورود واللواء المعقود والشفاعة العظمى

ومن الآيات التي ظهرت لمولده صلى الله عليه وسلم أن إبليس حجب عن خبر
السماء فصاح ورنّ رنة عظيمة كما رن حين لُعن وحين أُخرج من الجنة وحين
نزلت الفاتحة.

وخرج معه صلى الله عليه وسلم نور أضاءت له قصور الشام حتى رأت أمه أعناق الإبل ببصرى، فليلة مولد الرسول
صلى الله عليه وسلم ليلة شريفة عظيمة مباركة ظاهرة الأنوار جليلة المقدار،
أبرز الله تعالى فيها سيدنا محمد الى الوجود، فولدته ءامنة من نكاح لا من
سفاح، فظهر له من الفضل والخير والبركة ما بهر العقول والأبصار، كما شهدت
بذلك الأحاديث والأخبار.

وقد جرت عادة المسلمين في سائر الأقطار والمدن الكبار على الاحتفال بمولد
النبي المختار والتصدق بليالي المولد بأنواع الصّدقات شكرا لله تعالى على
إظهار هذه النعمة سيدنا محمد إلى الوجود.
فعمل المولد هو من قبيل البدع الحسنة المستحبة التي حدثت بعد وفاة رسول
الله صلى الله عليه وسلم وأول من عمله المظفر حاكم إربل وكان عالمًا
تقيًّا شجاعًا وذلك في أوائل القرن السابع الهجري. وجمع لهذا كثيرا من
الأمراء والعلماء فيهم من أهل الحديث والصوفية الصادقين فأعجب ذلك الكل،
حتى إن الحافظ ابن دحية قدم من المغرب فدخل الشام والعراق واجتاز بإربل
سنة أربع وستمائة فوجد ملكها يعتني بالمولد فعمل له كتاب "التنوير في مولد البشير النذير". وتوالى الحفاظ على التأليف في قصة المولد فألف شيخ الحفاظ العراقي كتابا في المولد سماه "المورد الهني في مولد النبي".

فالعلماء والفقهاء والمحدثون والصوفية الصادقون كالحافظ العسقلاني والحافظ
السخاوي والحافظ السيوطي وغيرهم كثير، حتى علماء الأزهر كمفتي الديار
المصرية الشيخ محمد بخيت المطيعي، حتى علماء لبنان كمفتي بيروت السابق
الشيخ مصطفى نجا رحمه الله ومحدث الديار المغربية الشيخ الغماري رحمه الله
وغيرهم كثير استحسنوا هذا الأمر واعتبروه من البدع الحسنة فلا وجه لإنكاره
بل هو جدير بأن يسمى سنة حسنة لأنه من جملة ما شمله قول رسول الله صلى
الله عليه وسلم: "من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من
بعده من غير أن ينقص من أجورهم شىء" رواه مسلم. هذا وقد استخرج الحافظ
العسقلاني لعمل المولد أصلا من السنة النبوية المطهرة واستخرج الحافظ
السيوطي أصلا ثانيا.

فالوهابية نفاة التوسل الذين ينكرون عمل المولد على المسلمين ليس لهم حجة سوى قولهم ما فعله الرسول
ما فعله الصحابة، وكم من أشياء يعملونها لم يفعلها رسول الله ومن ذلك عمل
المحاريب، حدث ذلك بعد وفاة رسول الله بنحو تسعين سنة في زمن الخليفة
الراشد عمر بن عبد العزيز. والمصحف لم يكن منقطاً في زمن رسول الله، ما
كان فيه الشّدة والنقطة والفتحة والضمة، رجل من التابعين نقط المصحف أي
جعل للباء نقطة وللتاء نقطتين وعالم ءاخر أدخل إليه الشّدة. فهذه لا
ينكرونها، أما عمل المولد فيحرمونه، بدون دليل يحرمون هذا ويحللون هذا.
ونحن نرجو الخير الكبير لمن يعمل المولد وللحاضرين إذا دعوا إليه.


وقد قال الإمام المجتهد مجدد القرن الثاني الهجري محمد بن إدريس الشافعي
رضي الله عنه: "المحدثات من الأمور ضربان: أحدهما ما أحدث مما يخالف
كتابًا أو سنةً أو أثرًا أو إجماعًا فهذه البدعة الضلالة، والثانية ما
أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا وهذه محدثة غير مذمومة". معناه:
إن هناك أمورًا توافق الكتاب أوالسنة أو الأثر أو الإجماع فهي بدعة حسنة،
كما قال سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد أن جمع الناس على صلاة
التراويح على إمام واحد: "نعم البدعة هذه" رواه البخاري.

فلا تلتفتوا بعد هذا أيها المسلمون لهؤلاء الوهابية نفاة التوسل الذين
يحرمون عمل المولد ويشبهون الله بخلقه ويكفرون المسلمين لمجرد قولهم يا
محمد أو يا علي أو يا عمر ويحرمون قراءة القرءان على أموات المسلمين
ويحرمون تلقين الميت وقول لا إله إلا الله في الجنازة وهم بذلك يريدون
التشويش على المسلمين وعمل البلابل فصار الذي يتعلم عندهم يرجع إلى بلده
ويكفر أهله لأنهم يزورون قبور الأولياء للتبرك. وهم بذلك لا يتبعون السلف
وإن سموا أنفسهم بالسلفية زورًا وتمويها على المسلمين ليظنوا أنهم على
منهج السلف وهم بعيدون من ذلك بعد الأرض عن السماء، فلا يجوز تسميتهم
بالسلفية بل هم ضد السلف.

وما هذه الاحتفالات التي يقوم بها المسلمون اليوم بمناسبة المولد الشريف
في بلاد المغرب العربي ومصر وسوريا ولبنان وفلسطين والأردن وتركيا
وبنغلادش والهند وباكستان وجمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق وأندونيسيا
وغيرها إلا دليلا على أن المسلمين لا يعبأون بأفكار نفاة التوسل وأن هؤلاء
منبوذون ممقوتون بسبب تعاليمهم التي تكفر المسلم الذي لا يتبع دينهم الجديد