مشهد من معركة بدر الكبرى


مع كل شهر رمضان يهل هلاله، تهلّ ذكرى معركة بدر الكبرى، لكننا اليوم نريد
أن نقرأها بغير وجهها كحدث تأريخي، ولابد أن أؤكد هنا على ضرورة التفريق
بين التاريخ والسيرة، لقراءة حسنة

مشهد من معركة بدر الكبرى Badr


بهذا المنهج يمكن قراءة معنى السيرة، فالله جل جلاله قادر على نصر المسلمين بكن فيكون،
وقادر على كف أي أذى عن رسول الله، وهذا ما كان يحصل أحياناً لكنه جعل
الرسول والصحابة يخوضون التجربة وتوثق هذه التجربة لنأتي نحن ونستنبط منها،
ولكي نعلم أن الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) عندما يكون حاكماً لا يتصرف
كنبي وأمره أمر قائد يناقش ويتغير وليس أمر نبي واجب التطبيق، وأنه ليس
الرسول الذي يسمع ويطاع وإلا فالعقوبة حاضرة، وإنما يناقش ويلزم نفسه برأي
أتباعه وهو أمر لا يمكن أن يكون اعتباطياً في ذلك الزمان، فما الذي نراه من
معركة بدر في دولة الإسلام المدنية:

1ـ أن الإسلام دولة مدنية منذ عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : فحينما
خرج رسول الله كان متتبعاً قافلة قريش وحينما غادرت القافلة الكمين ونجت
وسمع رسول الله باستعداد قريش لم يقل ( هلمّ إلى القتال) دون توضيح
مستخدماً صفته كرسول الله بل طلب المشورة، وأكثر من هذا لم يحمل بيعة
الأنصار فوق مفهومها وإنما طلب بيعة جديدة -فما يحصل لم يتفق عليه- وبشكل
غير مباشر كي تأتي منهم إن كانت في نفسهم ولا تؤخذ حياءً إذا ما طلبها
مباشرة.

2ـ أن الرأي والمشورة يأتي بالمداولة وشرح الأسباب وليس بالفعل الجمعي.

3ـ أن الرسول حين اختار مكان الحرب استجاب لرأي الخبرة لصوابه ولم يعتمد مشورة الرأي والأكثرية كما في قرار الحرب.

لقد حددت معركة بدر نوعين من المشورة وهما رأي الأكثرية في قرار كالحرب،
ورأي الخبرة في الآليات التي تنطلق على قرار الأكثرية، ومع أن نصر الله
لعباده وهم قلة ومستضعفون كان بدعم وإعجاز لكن لو لم يحصل هذا الحدث مثلاً
لوجد الاستبداد الذي حصل ويحصل في التاريخ تبريراً ولما علم الناس أن
البيعة بشروطها وحدودها وأن الرئيس المنتخب لا
يمكن له أن يعتبر نفسه مخولاً مطلقَ التخويل وإنما عليه أن يعود للأمة
عندما يحصل التغيير، فالبيعة نوع من التفويض الإداري من الشعب الذي له الحق
باختيار حاكمه وخلعه عندما يتجاوز حدود التفويض وهو لا بد أن يعود عند
تجاوز حدود تفويض الشعب إلى الشعب،
من هنا نرى صيغة واقعية في تطبيق
حكم الشعب وليس صيغة طوباوية الفكرة عندما يحمل الغرب الديمقراطية فوق ما
تحتمل من كونها محض آلية لمعرفة الرأي بنسبة مقبولة من الصحة إذا صدقت
النوايا والحيثيات، أما أدلجتها فهو أمر يدل على التخلف الحضاري وما وجد
ذلك الأمر رواجاً إلا للانحدار الحضاري والتخلف المدني في بلاد تسمى ببلاد
المسلمين التي علمها دينها معاني الإنسانية وأعطاها حق اختيار الحاكم
واعتبر الحقوق بتوضيح ونظام لحماية الإنسان ونشر العدل من خلال إقامة
القسط، لقد نظم الإسلام الحياة فأحال الحرية إلى
حق ضمن نظام مدني متفاعل مع التقدم يقبل الرأي الآخر ويحميه ويقويه لا يدعي
ذلك ويقمع الإنسانية بالتسميات والألقاب ثم باستباحة الإنسان ومن يستبح
بشر بغير حق فقد استباح الإنسانية جمعاء.


هذه بعض معالم بدر السيرة، وهي جملة وتفصيلاً لا يمكن أن يطويها النسيان.



بقلم:
هداية