منتديات الجزائر
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

منتديات الجزائردخول

منتديات الجزائر


descriptionالماء ... Emptyالماء ...

more_horiz
الماء: المادة التي لا يملكها البشر

water can not be an own property


مقدمة
اقترن الماء بالحياة، حياة كل المخلوقات من نبات وحيوان جراثيم ومتعضيات وحياة السمك والحيتان في البحر والأنهار، حياة كل شيء حي. واقترن الماء بالجمال والطمأنينة والراحة، فالبحر يسلي ويجلب إليه الناس، ومراقبة حركته تجعل الإنسان يسبح في الخيال، وينعم بهذا المنظر الجميل، والنهر يسلي ويجلب كذلك الناس إليه، للمتعة والاستحمام، وقضاء وقت جميل، ويجلس الناس على ضفته، يراقبون مروره ورحيله وهو باق أمامهم، وجمالية لا يقدر عليها إلا الذي قدر كل شيء تقديرا. والعين الجارية كذلك لما تتدفق ماءا عذبا رقراقا، يدخل بمنظره السرور على النفس، ويثير إليه الأنظار، وفيها جمال وسعادة، والشلال كذلك لما يسقط الماء من أعلى جبل أو تل، فيحدث صوتا، ويرسم منظرا، يجعل السعيد من الناس هو الذي يتمتع برؤيته. والثلج في الجبال كذلك يرحل الناس إليه، لجماليته ولراحة البال وطمأنينة النفس، والاستراحة من عياء الدنيا، والواحة في الصحراء، هذا الماء الذي لا يصدق الناس أنه يوجد في هذا المكان، فيخرج خضرة وأشجار النخيل، ويأخذ أهمية كبرى في الصحراء، لأن الحاجة إليه أكبر. والماء الذي ينزل من السماء حينما يهطل المطر، فيحدث إحساسا عجيبا عند المرء، ويعلن بالحياة التي ستبدأ على الأرض بالاخضرار، ويبشر الناس بخروج الرزق من الأرض، ويطمئن المزارع والفلاح. الماء الذي وصفت به الجنة، واقترن ذكره في القرآن الكريم بذكر الجنة، الماء الذي بدونه تستحيل الحياة، وكلما قل كل ما ذل البشر، وكلما توفر كلما سحر. الماء آية من الآيات العظيمة في الكون نمر عليها ونحن عنها معرضون.

الماء الذي ألهم الشعراء شعرا، والفلاسفة فلسفة، والعلماء علما، هذه المادة العجيبة، التي شدت إليها انتباه الفلاسفة والكتاب والشعراء قبل العلماء، فما هي؟ ولماذا لا حياة من دونها؟ بل ولا حركة ولا سعادة. هذه المادة العجيبة التي تجاوزت أوصاف الدنيا إلى الآخرة، واقترن اسمها بالجنة التي سيخلد فيها المؤمنون الصالحون والرسل والأنبياء، فذهب وصفها إلى ما بعد الحياة حيث نجد أوصاف الجنة والنعيم المقيم يقترن بالجنة، لكن نجد دائما تجري من تحتها الأنهار فهنا تكتمل المتعة والسعادة برؤية هذا الجمال الخارق الذي لا يمكن أن نتصوره على حقيقته بإدراكنا المحدود. فهل يمكن أن نعرفه ونعرف خصائصه ومميزاته، بدون شك لن نقدر، لكننا سنسبح في بحر التعريف بالماء، وليس في الماء. من خلال الظلال الوارفة للآيات القرآنية، التي تطرقت إلى وصف الماء، والخصائص العلمية التي وقف عليها العلماء.

يوجد الماء في الطبيعة على شكله المعتاد، كسائل أو ثلج أو بخار أو سحب في الأجواء. ويوجد الماء كذلك في كل المواد الحية بنسبة عالية، تصل إلى 90 % من جل المواد النباتية والحيوانية. وكلما ارتفعت نسبة الماء، كلما تغير شكل المادة إلى أن تصبح سائلة. ولذلك سنتناول الماء كأحد العناصر المكونة للمادة الحية عموما، لكن سنركز على السوائل، والتي رتبها الله سبحانه وتعالى ترتيبا معجزا في سورة النحل، والتي تناول فيها العزيز الجبار كل المواد التي خص بها الإنسان، وقد جاء الترتيب كالتالي: الماء – الحليب – السكر – العسل. وسنتناول هذه الآيات الأربعة، حسب الترتيب القرآني، لنعرض بعض الحقائق العلمية في الميدان الغذائي.

descriptionالماء ... Emptyرد: الماء ...

more_horiz
معطيات عامة حول الماء

كمية الماء
اعتقد الناس لفترة طويلة أن مياه الشتاء لا علاقة لها بالمياه الجوفية، ونجد هذا الاعتقاد عند أرسطو والذي جاء في الموسوعة البريطانية، لكن في أواخر القرن السابع عشر تبين أن هناك علاقة مباشرة بين مياه الشتاء والمياه الجوفية، وبذلك تكون نظرية دورة الماء في الكون مقبولة أو ممكنة. ولعل أبرز ما تشير إليه هذه النظرية أن الكمية المائية في الكون لا تتغير. ولو أن هذه النظرية تظهر غريبة، فإن صحتها تتوقف على إحصاء كمية الماء الإجمالية، وكذلك الشكل الذي توجد عليه في الكون، هل هي متجمدة أو سائلة أو على شكل بخار أو سحاب. وليست الكمية المائية هي التي تهم، وإنما التوازن بين أشكال الماء في الكون وتوزيعها على كوكب الأرض. فقد يكون الماء موجودا بكثرة، لكنه لا يصلح، إما لأنه متجمد أو لملوحته أو لوجوده بكثرة في وقت قصير كالفيضانات.

تحتل مساحة الماء 72 % من مساحة الأرض أي ما يعادل 360 كلم2. وتبلغ ملوحة مياه الأنهار 7 % بينما تصل ملوحة مياه البحار إلى 89 %. وتتوزع المياه على ثلاث مخزونات هائلة، منها مياه البحار والمحيطات والبحيرات والمياه الجوفية والمياه الفضائية على شكل سحاب أو رطوبة في الهواء. وتتصل كل مجموعة مع الأخرى اتصالا مباشرا ودائما، من حيث تجري مياه السطح لتصب في البحر وتتبخر مياه البحار لتوازي الرطوبة في الماء وتكون مياه الطبقات العليا في السماء كما تتسرب مياه السطح إلى المياه الجوفية وما إلى ذلك.

العناصر الكيماوية المكونة للماء

تتكون جزيئة الماء من عنصرين: الأوكسايجين والهايدروجين وتشمل ذرتين من الهايدروجين وذرة من الأوكسايجين مرتبطتين كالتالي:

H-O-H

رسم بياني لبنية جزيئة الماء

من المعلوم أن ذرة الأوكسايجن لها 6 اليكترونات على المدار الخارجي L والذي يستقر بوجود 8 ذرات عليه. ولذا فإن الاليكترونات الستة تكون على الشكل التالي: اليكترونين منفردين وزوجان اثنان. ويمكن لذرة الأوكساجين أن تكون ارتباطين وهو الحد الأقصى الممكن كيماويا فيما يخص الارتباط التسهامي ويحتل الأوكسايجن كذلك الرتبة الثامنة في جدول تصنيف العناصر الكيماوية ويأخذ عدد (Z = 8) في هذا التصنيف والأوكسايجن يوجد في الطبيعة على شكل غاز وخاصيته المميزة الاحتراق إذ لا يمكن لعملية الاحتراق أن تتم بدون أوكسجين كما يلاحظ عامة الناس أن النار تضرم بسهولة وبقوة عند اشتداد الريح لأنها تزود العملية بأوكسجين الهواء.

ولا يمكن أن نقف عند حد الاحتراق بل يجب أن نتعمق شيئا ما لنرى كذلك ما يقع أثناء عمليات الاحتراق التخمري (Oxydation) داخل المادة الحية أو داخل جسم الإنسان أو أي جسم حي كيفما كانت بنيته ولو كان من الأحياء الدقيقة الأحادية الخلية (Microorganisms). ولا يمكن لعمليات الاحتراق أو ما يسمى بالأكسدة (مشتق من أوكسجين) داخل الخلايا أن تتم وتأخذ الطاقة اللازمة لتحريك الجسم لأية وظيفة بدون أوكسايجن ولا أحد يتعذر عليه فهم عدم إمكان العيش إذ لا يمكن بدون تنفس، وما التنفس سوى عملية إدخال الأوكسايجن إلى الخلايا لتتم عملية احتراق الأغذية فتزود الجسم بالطاقة.

وربما نتطرق إلى بعض العمليات الأخرى، والتي يتم فيها إيصال الأوكسايجن إلى الكائنات الحية عبر التهوية بالتحريك أو بنفخ الهواء في الوسط، وهو ما نستعمله في المفاعلات الحيوية (Fermentors)، أو في محطات معالجة المياه أو في صناعة الخميرة والخل وبعض الأنزيمات أو اللقاحات أو المضادات الحيوية وما إلى ذلك من المواد المفروزة من لدن أحياء دقيقة تحتاج إلى أوكسايجن لتنمو وتفرز المادة التي يراد إنتاجها.

أما ذرة الهايدروجن فلها اليكترون واحد على المدار K. وهذا المدار لا يتحمل وجود أكثر من اليكترونين، ليصبح تابتا أو منعدم التفاعل، وبهذا فإن الهيدروجين لا يتعدى تكوين ربط واحد مع العناصر الكيماوية الأخرى. وبما أن الأوكسايجن قابل لربطين والهايدروجن لا يتعدى ربطا واحدا، فإن ذرة واحدة من الأوكسايجن تصبح قادرة على ربط ذرتين من الهايدروجن، لتصبح النتيجة ذرة أوكسايجن مع ذرتي هايدروجن وهو الربط الموجود في جزيئة الماء (H2O).

والهايدروجن يوجد كذلك على شكل غاز، ولا يوجد في الطبيعة وإنما ينتج عبر مفاعلات كيماوية تولد الهيدروجين الغازي السائل. ومن خصائص الهايدروجن المميزة الانفجار بقوة، وهو ما حدى بعلماء الفيزياء باستخدام هذا العنصر في القنبلة الذرية، والتي تسمى كذلك القنبلة الهايدروجينية، أو لتخزين الطاقة لتستخدم لأغراض نافعة أو سلمية كالإنارة والمركبات الفضائية (محطات الطاقة الذرية) ويكفي ذكر القنبلة الذرية، ليدرك القارئ مدى أهمية الطاقة التي يحتوي عليها عنصر الهايدروجن.

أما إذا اتحدت ذرة غاز الاحتراق أو الأوكسايجين مع ذرتي غاز الانفجار أو الهايدروجن، لتكون مادة أخرى تختلف تمام الاختلاف، وهي الماء والذي لا علاقة له مع الانفجار أو الاحتراق، وإنما يمتص الحرارة ويطفئ النار.

ولقد ألف العلماء الحديث عن الماء كسائل يصلح لعدة استعمالات، بل ربما تستحيل الحياة بدون وجوده، لكن قد لا يفكر المرء في هذه المادة التي جمعت بين عنصرين أحدهما متفجر والآخر محترق. لتكون النتيجة وجود مادة تطفئ النار وتمتص الحرارة والإشعاع، وتذيب الأملاح والمواد الكيماوية العديدة كما قد تحفظ بعض الأجسام الحية، وتنقل العناصر الذائبة أو المحاليل كالأملاح وتنقل كذلك المواد الاقتياتية للخلايا عبر الدم أو النسغ، وتستعمل لإدخال الأدوية واللقاح للجسم، كما تكون وسطا للتفاعلات الكيماوية والأحيائية في عالم الحيوان والنبات والجراثيم، وقد يستحيل أي تفاعل كيماوي بدون ماء. وتنقل الخلايا التناسلية الذكرية من الذكر إلى داخل رحم الأنثى وتتخلل التربة والصخور. وكذلك الشكل الذي توجد عليه فهي تتبخر وتتجمد وتسيل.

ولكل شكل من هذه الأشكال خاصياته. فالماء المتجمد يصعب ضبط بنيته الكيماوية والماء على شكل بخار هو الذي يتمثل بالرمز H2O أما الماء السائل فليس هناك رمز يدقق البنية الشكلية للجزيئات كيف تتناسق مع بعضها.

ونتناول الماء كمادة كيماوية تتفاعل، ولها خصائص ومميزات ربما تستعمل أو تستغل لبعض الأغراض النافعة للبشر، كما سنرى فيما بعد. ويجب أن نتعامل مع هذه المادة العجيبة بتدبر وفهم لمعرفة الحقيقة العلمية التي تتجسد في الخصائص المتعددة للماء والتي لا يمكن الاستغناء عنها.

descriptionالماء ... Emptyرد: الماء ...

more_horiz
أنواع المياه

نتكلم عن المياه عامة لكن هناك ما هو جدير بالذكر للمستهلك العادي، وهناك ما هو جدير بالذكر بالنسبة للفلاح أو الصانع أو مربي السمك وما إلى ذلك، وسوف ننهج طريقة سهلة لتقسيم المياه على مستوى أهميتها، أو على مستوى صناعتها ولا نجزم فيما نفسر به الأشياء في هذا الكتاب أنه قطعي، وإنما هو رهين بالحالة الطبيعية للمنطقة أو مستوى تصنيع الدول بالمنطقة، ويبقى رهن التطور العلمي لما قد يصيبه من تغيير.

المياه السطحية

وتطلق هذه التسمية على جميع المياه الموجودة على سطح الأرض ماعدا مياه البحار. ومنها كذلك مياه البحيرات والأنهار والعيون والسدود. وتتكون المياه السطحية من الينابيع الجوفية التي تتفجر عيونا فتسيل أودية أو من المياه الجوفية التي تتفجر عيونا فتسيل أودية أو من المياه الجارية وتتجمع هذه المياه في مجاري قد تأخذ مسافات طويلة وكذلك حجما كبيرا فيما يخص سيلان الماء والكمية التي تجري في هذه المجاري وتتميز هذه المياه بالاتصال المباشر مع الهواء والذي يتحرك بتحرك المياه من جهة وبالسرعة التي يتم بها هذا التحرك. ويمكن للمياه السطحية أن تتجمع في بحيرات محبوسة تأخذ أحيانا حجما هائلا كما قد تتجمع بفعل الإنسان في سدود عادية على أنهار أو سدود تلية وتكون هذه المياه راكضة ولا تتحرك وهو ما يعبر عليه بوقت المكوت أو مدة البقاء والتي تأخذ سنة كاملة.

وتختلف محتويات هذه المياه الكيماوية باختلاف المناطق والتربة التي تمر بها أثناء الجريان أو القشرة الأرضية التي تقطعها أثناء النبوع في حالة العيون.

إن ما يميز المياه السطحية كونها تحتوي على عكارة مرتفعة من جراء المواد المحملة الغير الذائبة. ويظهر هذا في المياه الجارية على الخصوص إذ تكون في بعض الأحيان ذات ألوان مختلفة بسبب العكارة (طين، مواد عضوية نباتية وحيوانية وطحاليب الخ). وتتميز هذه المياه كذلك بكونها تحتوي على غازات ذائبة مثل الأوكسجين وتتقلب هذه المياه من حيث الحمولة والمواد المحملة أثناء النهار والفصول أو من مكان لآخر بتعدد الثلوتات التي تمر بها أثناء الجريان.

أما عذوبة هذه المياه فتضل موضع الشك في سلامتها وتمثل خطرا قائما بالنسبة للمستهلك إذ قد تنقل أوبئة من منطقة لأخرى وعلاوة على ما يمكن أن تحتوي عليه مما ذكر فقد تتلوث من جراء العمران أو الصناعات أو الفلاحة وربما ترمى القادورات والأزبال الحضرية أو القروية في مجاري المياه لتصبح خطرا على الإنسان كما قد تصيبها ملوتاث حديثة العهد كالمبيدات الفلاحية المختلفة الأنواع والتركيبات والأسمدة وما إلى ذلك كما قد تجني عليها الصناعات أكبر فساد في الأرض لتتحمل بالنفايات الصناعية المختلفة.

المياه الجوفية
وتأتي المياه الجوفية من التسرب من سطح الأرض عبر القشرة الأرضية لتكون المياه الجوفية وهناك أنواع لهذه المياه الجوفية فقد تكون حرة وتتكون من مياه التسرب أو قد تكون محبوسة وفي هذه الحالة تفصلها عن سطح الأرض قشرة الصخور الأساسية وتكون هذه المياه جد عميقة.

وهناك حالة خاصة للمياه الجوفية التي تتكون تحت سطح المياه الجارية فتكون مرتبطة مباشرة بهذه المياه وتتبعها في التركيب والمعنويات وتتأثر محتويات هذه المياه بنوعية التربة والقشرة الأرضية التي تقطعها أثناء التسرب أو أثناء النبوع فالمعروف عن هذه المياه أنها صافية على عكس المياه السطحية وتمُل عكارتها أدنى حد ممكن وتمتاز كذلك هذه المياه بعدم احتوائها على غازات مثل الأوكسجين ولها تركيب كيماوي تابت وعذوبة هذه المياه لاشك فيها حتى أنها كانت تقترن بالمياه الشروبة لخلائها من الأخطار الناتجة عن الجراثيم وتستجيب هذه المياه طبيعيا لخصائص ومواصفات المياه الشروبة ولا يدهشنا كون المياه الجوفية أنقى وأعذب من المياه السطحية إذا ما نظرنا بعض الشيء إلى الكفية التي تتجمع بها تحت الأرض وما هي المياه التي تتجمع في المياه الجوفية.

إن تسرب المياه السطحية إلى جوف الأرض يمثل أرفع طريقة لتصفيتها ذلك أن هذه المياه أثناء تسربها تترشح عبر القشرة الأرضية ثم تلتقي بالصخور والأحجار والطين والرمال، فتأخذ منها كل المواد العالقة والمواد المحملة عبر الإمتزاز، ثم تنفد إلى جوف الأرض نقية مصفاة من كل المركبات إلا بعض الأملاح والمواد الذائبة. ويضمن هذا الترشيح والإمتزاز سلامتها من المواد العضوية والمركبات الضخمة بما في ذلك الجراثيم والفيروسات.

و لا نخدع أنفسنا بهذا التفسير العلمي لنضمن سلامة أي ماء جوفي في منطقة ما من المعمور بل يجب أن ننبه بما هو أخطر. لأن هذا التفسير الذي أسلفنا ليس لنطمئن مطلقا لكن لنفهم الأشياء على ما كانت عليه في سالف العصور أو قبل 50 سنة لكن الآن مع الفساد وليس التلوث الناتج عن عدم القدرة على العلوم بالطريقة السليمة والعقل السليم ربما تصبح المياه الجوفية أكثر خطر من المياه السطحية وهناك مناطق بأكملها تلوثت مياهها الجوفية حتى أصبحت كالمياه الحارة أو أكثر. وذلك بتسرب مياه جد ملوثة وتسرب بعض العناصر الخطيرة إلى المياه الجوفية. وكقانون عام يجب أن نستحضر في أدهاننا أنه لا يمكن بأي وجه أن تكون صناعة في منطقة ما دون أن تفسد المياه الجوفية إطلاقا.

أنواع المياه الجوفية
المياه العادية أو مياه الشرب
وهي المياه التي تنبع طبيعيا أو يحفر لها (آبار) بحرارة عادية وملوحة عادية وليس بها غازات ذائبة أو لون أو أي شيء من شأنه أن يفقدها لونها أو رائحتها أو عكارتها أو مظهرها. وطبعا فهذه المياه تصرف مباشرة للاستعمالات المنزلية أو الفلاحية أو الصناعية بدون معالجة أو بمعالجة خاصة بالصناعة كما سنرى فيما بعد ولا تشكل هذه المياه أي خطر إذا ما كان المنبع لم يلحقه تلوث.

المياه المعدنية
وهي المياه التي تنبع بتركيز عالي من الأملاح المعدنية والتي تتميز بخصائص صحية والتي ربما لا تحتاج إلى معالجة وتباع في قنينات لندرتها ولتكلفة نقلها وتعليبها. يجدها الناس في جميع الأسواق وبالقرب منهم. وفي بعض الأحيان تكون هذه المياه محملة بغاز ثاني أوكسايد الكربون فتسمى المياه الغازية وتعرض في السوق لتباع بنفس الطريقة ويبين عليها نوع وتركيز الأملاح المعدنية وكذا مستوى الإشعاع بها وطبيعتها الغازية.

مياه الاستشفاء
ربما تمر المياه الجوفية ببعض المعادن أو تتصل ببعض المركبات الكيماوية كالكبريت أو اليود أو الكلور وما إلى ذلك لترتفع درجتها فتنبع على درجة 65 م° وتستعمل للاستشفاء وتكون غير صالحة للشرب في أغلب الحالات. ويعلم الجميع أن العيون التي تنبع منها هذه المياه تقام بها حمامات خاصة يقصدها الناس للاستشفاء من بعض الأمراض الجلدية أو العضلية. وتختلف هذه المياه من حمام لآخر ومن بلد لآخر كما قد تكون محملة ببعض المركبات من حيث لا تصلح للشرب وإنما للاستحمام وقد يصلح بعضها للشرب والاستحمام معا.

مياه البحار
إذا كانت العكارة تميز المياه السطحية فإن الملوحة تميز مياه البحار وتصل أحيانا هذه الملوحة إلى حد لا يطاق وتختلف الملوحة من بحر لآخر كما يبين ذلك الجدول الآتي:

الماء ... 31-12-10

ويختلف تركيب ماء البحر من الشاطئ إلى داخل البحر وقد يصعب تحديد مستوى الملوحة بدقة أو مستوى الأجسام العالقة أو البيئة البحرية. نعلم جميعا أن البحار والمحيطات متصلة ونعلم أو ذوبان الأملاح مقيض بالحرارة فهناك البحار المتجمدة بحر الشمال وهناك البحار الدافئة وما إلى ذلك رغم أن هذه البحار متصلة فهناك فرق في الملوحة وربما لا يقع التوازن بين البحار إلى الأبد وربما نجد بحرا عذبا متصلا مع بحر مالح فلا يطغى عليه ليصبح التركيز موحدا. كما توجد مناطق سابحة في البحار والمحيطات والتي لا يتجانس ماؤها مع باقي المياه التي تسبح وسطها.

descriptionالماء ... Emptyرد: الماء ...

more_horiz
خصائص الماء

الغليان والتجمد والتبخر Evaporation/freezing

من المسلم به أن الماء لا لون له ولا طعم ولا شكل ولا قوام له تحت الحرارة العادية وتحت ضغط عادي أي ما يعادل 76 سم من الزئبق. وعلى إثر هذه التحولات يبقى الماء المادة الوحيدة التي يستفاد من جميع أشكالها إما الثلج أو الماء السائل أو البخار.

تستعمل بعض خاصيات الماء في تعريف مقياس الحرارة. والكل يعلم أن الحرارة تقاس بالدرجات المائوية وهذه الدرجات وضعت نظرا لخاصيتين عند الماء. الأولى وهي دوبان الثلج تحت ضغط عادي 76سم زئبق وقد أخذت على أنها تعادل 0 م° والثانية وهي غليان الماء تحت ضغط عادي 76 سم وقد أخذت على أساس أنها تمثل درجة 100م° ونقسم المسافة بين 0 و 100 للحصول على مقياس للحرارة (thermometer ).

لقد استفاد علماء الفيزياء من خصائص الماء كثيرا وأدت دراسة الخصائص إلى تقدم كبير في الصناعات على مختلف أنواعها. ومع اكتشاف الآلة البخارية من عهد جيمس وات قفزت الصناعات الميكانيكية على الخصوص قفزة كبيرة. حيث أدت النظرية إلى اختراع محركات تعمل بالبخار وكان اشهر وأضخم هذه المحركات وأنفعها كذلك محرك القطار. ويتم ذلك بتسخين الماء بالفحم لينتج بخار يحدث ضغطا كبيرا حيث يستغل في تحريك العجلات وكلما زاد الضغط كلما زادت السرعة. ولا يزال بخار الماء يستغل في عصرنا الحاضر في ميدان المعالجة بالحرارة حيث يستعمل البخار تحت ضغط مرتفع لإنتاج البخار الجاف الذي يستعمل في التعقيم والبسترة وكثير من العمليات الصناعية في ميدان الصناعات الغذائية. وتعتمد هذه العملية على خاصية غليان الماء أو تحول الماء من سائل إلى بخار.

نظرية نزول الماء
لما نتكلم عن الشرب، لا يمكن أن نفكر إلا في الماء، وهو الذي يقترن بالشرب. وكل المواد تحتوي على نسبة عالية من الماء، لكن الماء له خصائصه ومميزاته، وله أسراره التي لا يعلمها إلا الخالق. نتكلم عن الماء كأول شراب، وسنحاول أن نرتب المعلومات التي تخص الماء من خلال القرآن والسنة ومن خلال العلوم كذلك، وقد نركز على الخصائص الغذائية والأحيائية أكثر ما نركز على الاستعمالات الكيماوية والفيزيائية.

من الصعب أن نتصور وجود الماء على الأرض دون أن نفكر في الأمطار أو حركة الماء في الكون، ولذلك يجب أن نتكلم عن نظرية نزول الماء، قبل أن نتكلم عن كل الحوادث التي تؤدي إلى ضبط هذه الحركة وجعلها مستمرة ومترددة في الزمان والمكان. وقد جاء وصغ نزول الماء من السماء في العديد من الآيات، والتي سنرتبها حسب التفاعلات البيئية المؤدية إلى إحكام الدورة المائية في الكون.

يقول تعالى في سورة النحل: "وَاللّهُ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ "(
ونقف عند الكلمات المفتاحة لهذه الآية وأولها " أنزل ، وجل الآيات التي تخص الماء، جاءت بلفظ أنزل أو نزل، فكل النظريات التي تتعارض مع نزول الماء من السماء، تكون غير صحيحة، نظرا لسياق الآيات العديدة التي جاءت كلها بنفس الوصف. فقد يجتهد بعض الباحثين المسلمين في هذا الاتجاه، ويأتي ببعض المقاربات العلمية، التي ربما تخالف القول بأن الماء منزل، كما سنتطرق إلى ذلك، ونقول مقاربات لأنها تفسيرات تعتمد على النظريات والتحليل، وليست قابلة للتجربة أو المنهاج العلمي، لأن الأحداث سابقة، ولأن العامل الزمني شاسع جدا، من حيث لا يمكن الوقوف على الحقيقة العلمية كاملة، وكذلك العلوم الكونية كلها. وما يمكن أن يستقر عليه القول، هو الأخذ بأن الماء منزل من السماء، فليس هناك اختلاف ولا شبهة، لكن لما نخوض في النظريات، لتفسير كيفية نزول الماء سنرى أن هناك فروقا. وأما الاختلاف الذي ربما يقع، فيخص هيأة الأرض يوم خلقها الله، ومن الناحية الموضوعية أو العلمية المحضة، لا يمكن أن نتصور خروج أو وجود الماء من الأرض، أو من باطن الأرض واقترانه بإحيائها، فالمجاري كما نعلم لا تسقي الأرض كلها، ولا تسقي أراضي شاسعة، وتتطلب أعمالا كبيرة وشاقة، لصرف الماء، واستعماله للري أو السقي، لكن نزوله من السماء، يجعل الأرض تروى بسهولة، وفي وقت قصير كما نلاحظ. وهذه الظاهرة لا تحتاج إلى أدوات علمية أو بحث علمي، ومن جهة أخرى سنقف عند التناقض العلمي، الذي يأخذ بخروج الماء من الأرض. سنعود إلى هذا الموضوع مرة أخرى.

ونبقى مع الكلمة القرآنية الثانية وهي "أحيى به الأرض". ولم يأتي التعبير عن المخلوقات، من نبات ودواب، وإنما جاء التعبير شاملا، وهي إحياء الأرض، وهذه الاستعارة تجعل البلاغة تذهب إلى العلوم كلها، وبجميع اختلافها، ومنها علم الأحياء، وعلم النبات، وعلم الحيوان سواء في التربة أو فوق التربة، وكذلك الأحياء والنباتات التي تعيش في المجاري الطبيعية والمحيطات والبحار. ولما نتكلم عن الأحياء نأخذها في شموليتها من الفايروسات إلى الحوت الأزرق. لكن هناك قراءات عديدة لهذه الآية، فقراءة اليسر لعامة الناس، توحي بأن يفهم الشخص، أن الماء يسقي الأرض فتنبت وتخضر وتدب فيها الحياة، وهو المعنى المعتاد، والذي يصرف إليه الفهم عند قراءة الآية. لكن هذه القراءة لا يمكن أن تواجه الحقائق العلمية، ولو أخذنا بها نحط من قيمة القرآن، ونجعله كتاب عادي ككل الكتب الأدبية أو الفلسفية. ونلاحظ أن التيارات الأدبية، التي تجاذبت معاني القرآن، ظلت كلها تقليدية منغلقة تدور حول اللغة والأدب، وربما انزلقت إلى التأويل الخاطئ، فكون القرآن جاء كآخر رسالة سماوية، يحتم علينا قراءة علمية، واستنباط الحقائق العلمية المحضة، وليست النظرية. وهذه القراءة العلمية للقرآن، تحتم على صاحبها الإلمام بالعلوم، والبحث العلمي الميداني، الذي يخص الميدان الذي يتناوله الباحث، ونفرق بين مستويين، الأول يعلم هذه الحقائق بحكم اختصاصه ومستواه العلمي الميداني، والثاني يعتمد على هذه الحقائق للأخبار بها واستعمالها في خطابه.

متى وكيف نزل الماء على سطح الأرض ؟ لا يمكن تفسير الحادث بما نلاحظه الآن، فلابد أن هناك بداية لهذا الحادث، وهنا ربما تتخصص الأمور لتأخذ أعلى المستويات، فلا يدخل في هذا الباب إلا العلماء، وإلا فليس هناك معجزة، فالكلام عادي واعتيادي، ويفهمه كل الناس، وليس هناك مكان ولا مجال للعلوم. وفي هذه الحالة يبقى القرآن دون مستواه الحقيقي.

وهناك طرحان فيما يخص العامل الزمني بالنسبة لنظرية نزول الماء، ولذلك نجد التعبير بالمضارع ينزل وبالماضي أنزل. ولذلك نفرق بين نزول الماء لأول مرة على سطح الأرض ونزول الماء بتردد كل سنة.

ومن السياق القرآني قد نستخلص ما يلي:
- ربما يكون نزول الماء يعني أول ما نزل الماء على الأرض ولم يكن تهييئها قد تم لتصبح صالحة للحياة.
- أو ربما يكون نزول الماء يعني النزول المتكرر في فصل الشتاء كل سنة، لتعود الحياة إلى الأرض بعدما أصبحت هامدة أو ميتة من جراء جفاف فصل الصيف.

descriptionالماء ... Emptyرد: الماء ...

more_horiz
الطرح الأول

لمعرفة الحقيقة العلمية، يجب أن نقابل النصوص القرآنية، التي تصف خلق الكون، مع النتائج العلمية التي توصلت إليها الأبحاث إلى حد الآن، لنربط الأحداث ولنعطي للوصف القرآني ما يستحقه، فهناك آيات عديدة، تقرن نزول الماء بالحياة، أو بإحياء الأرض، ومنها الآية التي نحن بصددها، وهي قوله تعالى في سورة النحل: "وَاللّهُ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ "(65)

وقد جاء التعبير بالماضي للفعلين " أنزل وأحيى "، وكذلك نجد في سورة البقرة قوله تعالى: "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164)".

وهو كذلك تعبير بنفس الصيغة، التي ذكرنا بالنسبة للآيتين السابقتين، ويأتي كذلك في سورة العنكبوت قوله تعالى: "وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ" (63)

وقد تغيرت صيغة فعل (أنزل) إلى (نزل) مع بقاء (أحيى) على نفس الصيغة، لكن دائما مع الأفعال في الماضي، ونفس الصيغة في سورة فصلت "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" (39)

ونقف مع الكلمتين في كل هذه الآيات الأربع، لنستنبط المعنى العلمي للقرآن، فهاتين الكلمتين تستحقان كتبا كاملة لبيان ما ينطوي عليه المعنى العلمي، وهما أنزل وأحيى. فكلمة أنزل تعني الحركة التي بواسطتها يتم ري الأرض، وينفرد الخالق بهذه الحركة، وبهذا الناموس الكوني. ولنفترض أن الإنسان أراد أن يخدم أرضه ويسقيها ويزرعها، فإما أن يلجأ إلى الساقية، وهي مجاري طبيعة للماء من عين أو من نهر، فيسقي قدرا بسيطا لا يكاد يبين في خلق الله الشاسع، أو قد يلجأ إلى الوسائل الحديثة، فيستعمل المضخة، ثم يسقي مساحة من الأرض لا تكاد تبين في خلق الله. وإذا أردنا أن نتدبر كيف يسقي الله الأرض، فسينصرف فكرنا إلى المطر. وهو الشكل الذي ينفرد به الله سبحانه وتعالى، لأن وحدانيته تتجلى في وحدانية خلقه سبحانه.

إن ضخ الماء بالطريقة الربانية، يكون عبر الخصائص التي خص بها الله مادة الماء، من حيث جعلها تتبخر وتتكاثف وتسيل، وهكذا جعل الله الماء يتبخر، حيث يتكاثف ويساق ويعصر فيسقط ماء ليسقي الأرض، وهذه الحركة تتم عبر ناموس مدقق مرسوم من قبل الخالق، هذا الناموس الذي يتم بواسطته إنزال الماء كما سنبين بالتفصيل إن شاء الله.

فإنزال الماء من السماء يعتمد على حركته وخصائصه المتميزة عن سائر الأشياء الأخرى. وتتم هذه الحركة عبر القوانين الفيزيائية والرياضية، التي بواسطتها يتم ضخ الماء من الأرض، على شكل بخار، ثم إنزاله على شكل ماء، بعدما يمر بالأطوار الفيزيائية أو البيئية.

إن انخفاض الحرارة في الأجواء العليا، يحدث انخفاضا في الضغط الجوي، وهو ما يجعل الماء يضخ، وكذلك التبخر يرتفع، ونفس الحادث الذي يقع في آلة التبريد المنزلية، من حيث يأخذ المجمد الماء من المواد التي توضع في هذه الآلة، ويلاحظ أن هذه المواد تجفف شيئا ما. وحيث يصل بخار الماء إلى الأجواء العليا، يتكاثف نظرا لانخفاض درجة الحرارة وهي 50 إلى 60 درجة تحت الصفر. ويقع التكاثف السريع، من حيث تتكون قطع صغيرة من الثلج، فتصير عائمة في الفضاء، وتصل بعد التجمع والتلقيح إلى طور النزول، فتلعب العوامل كذلك على تحول الماء إلى سائل لينزل على الأرض على شكل مطر، ويتم ذلك عبر الثقل كما سنرى (السحاب الثقال)، يعني أن هذا الثلج يقترب من الأرض، ثم تلتقي تيارات الضغط الجوي المرتفع، التي تحيط بالسحب فتعصرها، (المعصرات) فيذوب الثلج، ويسقط المطر من خلال الجبال المتراكمة من الثلج، وسنعود لنفصل هذه العوامل والحوادث، التي تجعل الماء يصعد من الأرض، ثم ينزل من السماء ليسقيها.

أما كلمة أحيى ففيها كذلك إعجاز كبير من حيث المعنى العلمي. وتقترن هذه الكلمة دائما بإنزال الماء، ولا تخص الحيوانات، وإنما تخص النبات نظرا لارتباطه بالماء. وتكون الأرض ميتة أو خاشعة أو هامدة، وهي أوصاف علمية مترادفة للحالة التي تكون عليها الأرض في حالة الجفاف، أي في حالة انعدام الماء، فطبعا يتبخر الماء الموجود في التربة، فتجف وتهمد وتصبح بدون حركة. تراب جاف تذروه الرياح ثم تعود إليه الحياة مع الماء لأن البذور والبزرات والجراثيم، وكل الأحياء الموجودة في التربة، تتوقف عن الحياة في انعدام الماء، ولأن هناك حد من الرطوبة، يجب أن يتوفر، كي تحيى هذه الأحياء، فالبذور لا تنبت في غياب الماء، وهي الخاصية التي تميز النبات، لأن هذا الأخير ينمو بخروج النبتة من الحبة، ويجب أن يتوفر حد من الماء، وكذلك الجراثيم الموجودة في التربة التي تساعد على تثبيت نايتروجين الهواء، لا تنمو بدون الماء.

يحدد العلماء الحياة عند الكائنات الحية بالنشاط المائي (Activity of water)، وهذا النشاط المائي يكون عبارة عن ضغط الماء في التربة، فإذا انخفض على حد 0.9 تصبح الحياة صعبة، أما إذا وصل إلى 0.6 فلا حياة، وقد يصل إلى أقل من 0.4 في التربة الجافة، وهو حد يستحيل معه وجود الحياة. ونلاحظ نفس الحادث في المواد الجافة كدقيق القمح، ومسحوق الحليب، لأن إزالة الماء من المواد الغذائية، يعتبر من الأسس التي تستعمل لتحفيظ هذه المواد، فكلما أزلنا الماء من المادة، كلما أطلنا تحفيظها ضد التفاعلات الأنزيمية والجرثومية.

وفي سورة الرعد يقول تبارك وتعالى " أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ (17)"

لقد جاء وصف نزول الماء بصيغة الماضي، دون اقتران أو بيان لنوع الحياة، أو بدون تخصيص أو تقييد، فيكون المعنى أن الحياة هنا تشمل كل الأحياء، والتعبير بالماضي يصرف المعنى إلى أول ما ظهرت الحياة، أو أول ما أنزل الله الماء من السماء، فبدأت الحياة، ولا ندري كيف بدأت، ولا يمكن أن نسقط الدراسات الحديثة، لنؤرخ عمر الأرض، وحياة المخلوقات على الأرض. وقولنا بأننا لا ندري عام لكل العلماء، وليس للباحثين في العلوم الكونية، والقول بأن لا أحد يعرف كيف بدأ الخلق، ينطلق من الاستنتاجات العلمية حول عمر الأرض، وهو أمر مسلم به من طرف العلماء، وينطلق كذلك من القرآن لأنه يخبر بهذه الحقيقة لقوله تعالى في سورة الكهف: "مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً" (51)

وهذا التحليل يدخل كذلك في إعجاز القرآن الكريم، ويعتبر قاعدة لعلماء الإعجاز، والتي لا يجوز الخروج عنها في كل التحاليل والطروحات العلمية. فالتعبير في الآيتين بالماضي يذهب بنا إلى نزول الماء لأول مرة على الأرض، وكيف تهيأت الظروف الملائمة للحياة، ويقابل هذا الطرح ما جاء في سورة الأنبياء لقوله تعالى "أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ" (30)

إن الرتق والفتق في هذه الآية، يحددان مرحلتين سابقتين لظهور الحياة. وسنرى كيف جعل الله كوكب الأرض مجالا للحياة، وخصه على غيره من الكواكب بهذه الخاصية، وجعل كل الأحياء تعيش عليه. ولنتمعن في الآية الكريمة، لنرى أنها تشتمل على وصف حدثين مختلفين ومتناقضين. فالحدث الأول يخص فتق الأرض عن السماوات، وهي شعلة من نار بدرجة حرارية هائلة، تصل إلى صهر العناصر الكيماوية. والحدث الثاني يخص جعل الحياة من الماء، وهو عكس الحدث الأول، فكيف يصف الله سبحانه وتعالى حدثين متناقضين متباعدين في آية واحدة. ومن الناحية الأدبية نرى أن المعنى من المستحيل فهمه أو تصوره. لكن من الناحية العلمية سنرى أن هناك علاقة كبيرة وثيقة بين الحدثين.

فسياق الآية يبين أن الخطاب جاء قويا وقارعا، وجاء موجها إلى الكفار، فكان لابد من أن يكون الموضوع بمستوى عالي جدا، ويتحدى كل الطروحات البشرية وكل التضليلات. وبتناول هذا الموضوع، يكون القرآن معجزا بكل كلماته وتعبيره وأسلوبه وسياقه ونسقه، ويكون معجزا أكثر لما يتحدى الحقائق العلمية التي أقرتها العلوم الحديثة.

ولما تناولت الآية مستوى عالي، وبينت شيئا معجزا، فكان هذا درسا ليقود هذا الباحث إلى الإيمان، بمن خلق هذا الخلق العظيم. ويبقى هذا الخطاب جاريا في كل الأزمنة والأمكنة، بل أصبح أكثر أهمية في عصر العلوم، الذي ربما يزيد من معجزة القرآن المتجددة في كل زمان ومكان. وهذا الطباق اللغوي في وصف الحوادث العلمية جاء ليعلمنا أن الذي يخوض في العلوم، لما يتوصل إلى فهم عظمة الخلق، ينتهي بالاعتراف بالحقيقة فيؤمن، وإلا فهو جاحد للحقيقة العلمية التي تجعله يصل إلى حقيقة الإيمان، ولا يزال هذا الإعجاز الخارق قائما على مدى العصور، وعلى ذكر مدى العصور، فإن الخوض في تطابق العلوم للآية الكريمة، يجب أن يكون مسبوقا بما جاءت به كتب التفسير.

ونأخذ ما جاء في تفسير القرطبي، أن الرتق هو الالتصاق أو الانضمام أو الاتصال، بمعنى أن شيئين يكونان رتقا، أي لما يكونان شيئا واحدا. والرتق هو عكس الفتق، وهو فصل الأشياء وجعلها منفصلة أو مستقلة، وهذا يؤدي إلى الفهم بأن السماوات والأرض كانتا متصلتين، أو كانتا شيئا واحدا فتمت عملية الفتق، بمعنى الفصل والعزل، ففتقت الأرض عن السماء، أي أصبحت معزولة عنها.

إن النظريات العلمية القائمة حاليا، تجمع على أن المجموعات النجمية، ومنها المجموعة الشمسية، والتي تضم الشمس وتوابعها من الكواكب كالأرض والقمر، كانت سديما ثم انفصلت (أو فتقت)، وأخذت أشكال الكواكب التي نعلمها الآن بكرويتها المعهودة. وإذا صحت هذه النظريات، فإن الأرض والسماوات وباقي المجموعة الشمسية، كانت قطعة واحدة فتفرقت. وتظل هذه الاحتمالات العلمية قيد الصواب والخطأ على حد سواء، لأن إدراك الإنسان، لا يصل مكانا ولا زمانا إلى الحقيقة العلمية عبر التجربة أو الكشف في هذا الميدان. فمكانا لأن الكون لا متناهي، ولا يمكن أن نراقبه من الأرض، التي هي نقطة في هذا الكون، وزمانا لأننا لا يمكن أن نفسر الآن ما حدث منذ ملايين السنين.

الحرارة النوعية Specific heat

وبما أن الأرض كانت مشتعلة، فإن تبريدها جعل سطحها صلبا ومتجعدا، لأنه يتكون من الصخور المنصهرة، والتي بردت (بازالت وكرانيت...)، وبفعل الماء والهواء، تشققت الصخور، وأعطت تربة بنسب مختلفة من العناصر (الرمل، الطين، الكلس، ...)، وبعد تشقق الصخور، وتكون التربة، تهيأت الأرض بإذن ربها، لاستقبال الحياة على سطحها. ونجد كذلك بعضا من هذا الوصف، الذي يدل على كثرة نزول الماء على سطح الأرض لتبرد في آيات أخرى، كما سنتطرق لذلك بعد استعراض الطروحات العلمية بشأن فتق الأرض .

إذا كانت الأرض انفصلت أو فتقت عن السماء داخل المجموعة الشمسية، فإن حرارتها كانت تقدر ب 12000 درجة فارنايت على حد زعم بعض الموسوعات العلمية كالموسوعة البريطانية. وهذه الحرارة المفرطة، لا تسمح بوجود مواد عضوية، ولا بوجود أي شكل من الأشكال الكيماوية ماعدا الغازات أو العناصر الكيماوية الحرة. وإذا كانت المواد العضوية، يستحيل وجودها تحت هذه الحرارة، فإن الحياة لا يمكن أن نتكلم عنها. ولهذا قلنا في البداية أن الله وصف حدتين مختلفين في نفس الآية. وهما فتق الأرض، وجعل الحياة من الماء. فالحدث الأول يتكلم عن الفتق عند درجة 12000 فارنايت والحدث الثاني هو وجود الماء والحياة. فكيف يمكن وجود الماء مع حرارة 12000 فارنايت، إذا علمنا أن هذه الحرارة تفوق حرارة انصهار المعادن. وبهذا يكون من المستحيل تصور وجود مواد عضوية عند هذه الحرارة، وكان يجب أن تنخفض الحرارة، وتبرد الأرض وتتهيأ للحياة . ولهذا جاء وصف الحدثين في آية واحدة، فتق الأرض وظهور الحياة. ونعلم أن عملية التبريد، ترتبط بالخصائص الفيزيائية للسائل المبرد، ذلك أن الهواء لا يبرد بسرعة بالمقارنة مع الماء، لأنه لا يمتص الحرارة، أما الماء فيمتص الحرارة بقوة، ويبرد الأشياء الساخنة أو المشتعلة بسرعة.

ونعلم كذلك من الناحية الكيماوية، أن جزيئة الماء تتكون من ذرتي هايدروجين، مرتبطتين مع ذرة أوكسايجن. ويكون كل من الأوكسايجن والهايدروجين على شكل غاز، وتتطلب مفاعلة اتحادهما في جزيئة الماء حرارة عالية جدا. تصل إلى 3618 ف وطبعا فإن هذه الحرارة كانت موجودة عندما فتقت الأرض عن السماء. وكل هذه الشروط كانت متوفرة ليتكون الماء في الفضاء، لأن كل العناصر كانت على شكل غازات، وكانت موجودة بكثرة، فاتحدت ذرات الهايدروجين مع ذرات الأوكسايجن، فتكون الماء بكثرة وبكمية هائلة، حيث نشأت المحيطات الفضائية، لتبرد الأرض إلى حد يسمح بوجود الماء السائل على سطحها، فاستقرت آنذاك المحيطات كما نعهدها الآن.

بعد هذا، حدث حسب الوصف العلمي، أن أخذت الأرض تبرد تدريجيا، حيث استغرقت العملية مليارين من السنين، وقد قدر العلماء هذه المدة بطريقة التحليل الإشعاعي. ثم بعدما بردت الأرض، انخفضت الحرارة إلى مستوى يسمح بوجود المواد العضوية أو الحية. ولكي تبرد الأرض وتشقق الصخور (غرانيت والبزالت الخ...) لتصبح تربة قابلة وصالحة للنبات، كان لابد من نزول الماء على سطحها، ليعمل مع الهواء على تحويل الصخور إلى تربة بتفتيتها والتسرب من خلالها. ولم تظهر الحياة بعد على الأرض، إلا بعد نزول الماء، وجريان التفاعلات الكيماوية القاضية بتحول بعض المركبات الكيماوية المعدنية، لأن المادة العضوية لم تكن خلقت بعد. وحيت تهيأ الوسط واعتدل الجو، وتوفر الماء على سطح الأرض، ظهر ما عبر عنه العلماء بالحياة المائية، ونلاحظ تطابق هذا الطرح مع ما جاء في القرآن بخصوص الماء. إلا أن هذا التفسير يظل ضيقا ومحدودا بالنسبة لما جاءت به الآية الكريمة، التي تخص الحياة بجميع أشكالها، وهو ما يسمو بكثير عن التفسير العلمي المحض.

ونعود إلى الوصف القرآني، لنرى الحقيقة من الذي خلق هذا الكون، وهو أعلم بخلقه من البشر، وأغلب ما جاءت به العلوم حول تكون الأرض، ما هو إلا تصور محدود، لعقل محدود ولا يغني التصور عن الحق شيئا، بل يمكن أن نستقي الحقيقة من القرآن فنفهم بعلم ويقين.

descriptionالماء ... Emptyرد: الماء ...

more_horiz
الطرح الثاني

أما الحالة الثانية فنكتشفها في التعبير القرآني، الذي جاء في الآيات الثلاث من سور الروم والسجدة والأعراف. وقد جاء التعبير بالمضارع. والتعبير بالمضارع يدل على جريان الأحداث في الحاضر، أو الأحداث التي تتكرر في الزمان، يعني أن الله سبحانه وتعالى كلما أنزل الماء يحيي الأرض، وطبعا فالأرض هنا تعني الأرض الجرز، التي لا نبات فيها ولا دابة، أو كما جاء التعبير في القرآن الأرض الميتة أو الخاشعة أو الهامدة، بمعنى لا حياة ظاهرة عليها. وهذا التعبير بالمضارع يخص الحالة الثانية، والتي تعني نزول المطر وظهور النباتات والحركة وخصوصا الحياة البرية، لأن الحياة البحرية لا تحتاج إلى نزول الماء من السماء، وهذه الآيات تتطابق مع آيات أخرى فيها وصف مخصص لخروج النبات، وهو ما يراد بالحياة أو بمعنى أحيى به الأرض بعد موتها.

ففي سورة الروم يقول الباري: "وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ" (24) وفي هذه الحالة التي تخص جريان الحدث دوريا أو إعادة الحدث، وهو إنزال المطر، وإخراج النبات أو إحياء الأرض، الذي لا يتم عشوائيا أو تلقائيا أو سرمديا، وإنما هناك جريان محكم تدخل فيه معطيات مختلفة، ربما لا ننتبه إليها ولذلك خصصنا لهذا الطرح فقرة كاملة، ولا يمكن أن نتكلم عن الأحداث بعفوية، وإنما هناك مجال واسع، يشمل علوم مختلفة، فعامل الزمن يأخذ في هذا الطرح الحيز الأكبر، لأننا لا يمكن أن نتكلم عن دورة إنزال الماء، دون ذكر الفصول، ونعلم أن المطر ينزل في فصل الخريف وفصل الشتاء، وهناك موسمية بالنسبة للنبات، لا يخرج القانون الطبيعي عنها، وربما لا تنبت البذور إلا لما تستوفي وقتها، وتصل إلى وقت الإنبات، وتمر بعوامل بيئية فيها ويزهر ويصفر ثم يصير حطاما، ومن النباتات من يعطي هذه الحبوب بعد سنة، ومنها من يعطي الحبوب بعد سنتين، ومن النبات من يعطي الثمار مرة في السنة، ومنها من يعطي مرة كل سنتين، أو مرتين أو أكثر في السنة.

فالماء لا ينزل عشوائيا، ويخرج النبات عشوائيا، وإنما هناك عامل زمني مدقق، ولا تخضع هذه الأشياء لقانون رياضي، وإنما تخضع للقدر، فربما نزل المطر بوفرة، وربما أمسكه الله لمدة طويلة، ولا ينزل الماء بنفس الكمية في منطقة معينة، وإنما ينزل كلما أراد الله له أن ينزل، ونزول الماء لا تتحكم فيه العلوم إلى حد الآن، وليس في متناولها أن تتحكم فيه، وإنما هناك بعض الدراسات التي تخص الرصد، وتتبع التساقطات في بعض المناطق من اليابسة، قد يظن بعض الناس أن العلوم أصبحت قادرة على التحكم في المطر، وهو أمر لا يزال مستحيلا على العلوم.

ونجد كذلك ما يزكي هذا الطرح في سورة السجدة لقوله تعالى "أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاء إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُون َ" (27) وفي هذه الآية يأتي الخطاب بالمضارع، لكن ليس بصيغة "ينزل" وإنما "يسوق" وهذه السحب التي تساق إلى هذه الأرض اليابسة القاحلة، التي لا نبات فيها ولا حياة فيسقط المطر ثم تنبت زرعا. لو كانت تخضع إلى قوانين رياضية لتمكن منها الإنسان وتحكم فيها، ليجعلها تساق عبر برنامج زمني، وفي اتجاه رقع أرضية معينة، وإنما تساق بإذن ربها، ثم تمطر في المنطقة التي أراد الله أن يسقيها. وتعاد العملية دوريا أو لا تعاد، فهنا أمور لا تقدر بالعوامل والمعطيات العلمية البشرية المعروفة والمعهودة والجارية، وإنما تبقى معلقة بالغيب، وتبقى في علم الله، وهذا هو الحد الذي لن تصل إليه العلوم البشرية، وطبعا لما تقترن الأمور بالغيب، فجريانها يخضع للعقيدة وليس للعلوم كما يقول الله العلي القدير في سورة الأعراف "وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ" (96).


ويكون شرط فتح هذه البركات من السماوات، ويعني بها الله الماء، هو "التقوى والإيمان"، وهما شرطان يجمع فيهما الله كل العبادة: الإيمان بالله ورسله والغيب، ويتبع هذا الإيمان العبادة أو الفرائض، ثم التقوى ويتبعها التصرف والسلوك داخل المجتمع، ويعني الإحسان والابتعاد من المنكر والظلم والفواحش وما إلى ذلك من أمور العقيدة السليمة والصحيحة، والتي تسير طبق الصراط السوي، وهذه الاستقامة يزكيها قول الباري في سورة الجن "وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقاً (16)"

فإذا توصلنا إلى القول بأن الماء لا يتحكم فيه الإنسان، وإنما هو ناموس كوني يجري بأمر الله، ربما يصعب تصور هذه الأشياء لدى بعض اللادينيين، لكن هناك وقفة يلتفت فيها الإنسان إلى هذه الحقيقة الربانية، وهذه الوقفة تكون حيث تجف الأرض، ويصبح كل الناس يتطلعون إلى السماء، ويسألون الله الماء، فهذه الفتنة تجعل المؤمن والكافر يرجع الأمر إلى الله، وهذه الآية تربط بين الاستقامة وأصل الرزق وهو الماء، وتبين الاستقامة على الطريقة الموحدة الصحيحة، التي تربط العبد بربه ارتباطا خالصا خاليا من الطقوس الجاهلية، فهي ليست أية استقامة وإنما استقامة على الطريقة.

جاء في الجامع لأحكام القرآن للقرطبي غذقت العين تغذق، إذا تدفقت بالماء أو كثر ماؤها فهي غذقة، ويقال غذقت الناقة إذا كثر لبنها، ويقال كذلك غذقت المرأة إذا بلغت المحيض وغذقت السماء إذا أمطرت، ونبين أن المعنى العام لغدق هو سال وتدفق بكثرة وبوفرة. والغذق يعني الكثير ونعلم جميعا، أن الماء الكثير يعني الخير الكثير، من كل ما تنبت الأرض للحيوان والإنسان، بل لكل الأحياء على الأرض ونعلم جميعا كذلك ما يقع لما يمسك الله المطر، ويقل الماء فيصبح الناس في حيرة واضطراب وتعاسة وهلع، ويتجه الكل بعد نفاد الحيلة إلى الله لينزل المطر، وهنا يجتمع الناس بكل فئاتهم مؤمنين، وغير مؤمنين، ويصيح الكل من يعبد الله ومن لا يعبده ليسأل الله نزول المطر. إن في ذلك لذكرى بالغة لمن أراد أن يتذكر.

ونرى من خلال هذه الآية أن الماء هو أصل كل بركة لأن بدونه لا تنبت الأرض شيئا، وبدونه لا يمكن أن تحيى المخلوقات، وبدونه لا حياة على الأرض، ولا يغتر الناس بعلمهم فالماء لا يمكن أن يتحكم فيه البشر، فكونه أنزل من السماء يدل على أن في إنزاله حكمة أرادها الله سبحانه وتعالى، ولذلك اقترن المعنى بالفتنة. ولا نصف الأمور بجهل كما عودتنا الكتب العلمية، التي تصف بعض الحقائق وكأنها ظهرت لوحدها، وقد يلجأ بعض العلماء إلى تفسير الأمور بالطبيعة أو بالعفوية، وهو إنكار في حد ذاته لمن خلقها، بل نصف الأمور بعلم، وهذا العلم جاء من عند الذي خلق الكون، ويعلم كيف خلقه وقدره وسخره.

إن الله يقول في سورة ق "وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكاً فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (9) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ (10) رِزْقاً لِّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً كَذَلِكَ الْخُرُوج ُ" (11)

فإذا قال الخالق أن الماء منزل، فلا يصح أن نسلم بأية نظرية تنسلخ عن الحقيقة القرآنية. ولذلك كان علينا أن نرجح القرآن على كل الأوصاف التي يقال أنها علمية. وقد ترسخ في أذهان الناس بعض التفسيرات العلمية العجيبة والغريبة حول الدورة المائية (water cycle) ، وتدرس هذه الدورة المائية في المدارس، ولا يصحبها شيء يبين أن الماء منزل من السماء، بل الماء حسب فهم العامة، يتكون من بخار ماء المحيطات والبحار والبحيرات، ثم يتكاتف هذا البخار ويصبح ماءا سائلا، وحيث يقع اضطراب في الضغط الجوي ينزل الماء على شكل مطر. فلو صحبت هذه الأوصاف بعض أقوال الله سبحانه وتعالى في وصف الماء، لكان الإيمان عم الناس، لأن تلاميذ القسم الابتدائي يقرؤون هذه التضليلات وسنصحب الحقائق العلمية بأقوال الله سبحانه وتعالى، لنقرب الناس من الحقيقة ولنكشف الغطاء على أعينهم كي يروا الحقيقة القرآنية أمام أعينهم.

إن كثرة الماء أو الغذق يعتبر من النعم، ويعتبر من فتح الله على العباد، لأن السنوات الممطرة، يذهب الجوع وتنتعش الأرض، ويتوفر الرزق من كل شيء، من زرع وثمار وخضر وأشجار وبساتين، بل حتى الأزهار للمتعة وما إلى ذلك، إن هذا لا يمكن أن ينكره أحد، والمطر الكثير يعتبر كذلك من البركة، ومن توفر كل متطلبات الحياة، كما قال تعالى في سورة الأعراف "وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ" (96) والمعنى محمول هنا على فتح الرزق من السماء بالماء الذي يستقر في الأرض فتخرج خيراتها.

قال عمر رضي الله عنه في هذه الآية "أينما كان الماء كان المال وأينما كان المال كانت الفتنة". ونزكي التفسير بالنظر إلى الشطر الأول بعد تفسير الشطر الثاني من الآية بخصوص الفتنة إن شاء الله. وقال صلى الله عليه وسلم "أخوف ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا، قالوا وما زهرة الدنيا يا رسول الله، قال بركات الأرض". أما تتمة الآية لنفتنهم فيه أي ليختبرهم هل يشكرون لله بعدما رزقهم من كل شيء بسبب كثرة الماء. إن هذا يعتبر من العبادات لله عز وجل وهو المقابل لكل ما أعطانا سبحانه وتعالى. إن كل النعم التي أنعم الله بها علينا، نؤدي ثمنها شكرا ومحافظة عليها وتزكية بالصدق، وعدم الإسراف فيها وما إلى ذلك.

قد يتفق العلماء على بعض الحقائق العلمية، التي لا يمكن أن يسودها الخطأ، لأنها من وحي الخالق، ولذلك يجب أن تعتبر مرجعا للحقيقة العلمية حتى ترشد الأبحاث العلمية وتسير في اتجاه صائب لينعم الناس كلهم بالمعرفة. وهذا الاتفاق على الحقائق العلمية الثابتة، لا يبنى على النظريات الخاطئة كنظرية بنغ بونغ وما شابهها، وإنما يبنى على أساس لا يسوده الخطأ وهو ما يحتاجه العلماء، وإلا فسيصبح عصرنا عصر العلوم بدون الحقائق.

حركة الماء في الكون = الدورة المائية

إن الأمر يصعب لما نتحدث عن علوم كونية ذات دقة، وقوانين كونية عالية، ليست في متناول العموم. إن هذه القوانين التي جاء بها القرآن، لم تفهم بعد إلا قليلا، فكيف تعامل معها الناس وقت نزول الوحي. إن هذه المعجزة المتجددة تزداد عظمة، وتزداد تحديا لكل علوم البشر، ولكل زمان وفي كل مكان، ولا يمكن بأي حال من الأحوال، أن نتعامى عنها، أو ننكرها، أو نتهاون في قراءتها، وإنما يجب مراعاتها والاعتماد عليها في كل ما يلزم البشر في حياته اليومية الدنيوية. وسنستعرض بعض الأوجه من هذه القوانين الإلهية، لنرى أن العلوم الحديثة نفسها، تضيع وتضل لما تبتعد عن الحقيقة القرآنية.

وجاءت آيات كثيرة في وصف السحاب، وتعتبر متكاملة في وصفها ودقتها من الناحية العلمية، وسنتتبع هذه الأوصاف عبر مراحل تكون السحب ونزول المطر، لنرى كيف يصف الخالق سبحانه هذا الخلق البديع بوصف علمي دقيق.

تطالعنا بعض التفاسير (الجامع لأحكام القرآن للقرطبي) على النقط التي تتعلق بمعنى الرياح، وأهمها أن الرياح بالجمع اسم جنس تدل على القليل والكثير، وعلى وجه المفرد مقرونة بالعذاب في ثلاث سور، وهي رياح استثنائية يظهر فيها الله آياته وسلطانه للقرون التي تجاوزت في عصيانها. ومنها قوله تعالى في سورة آل عمران "مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هِـذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللّهُ وَلَـكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ" (117) ولازالت بعض الحالات تقع في عصرنا الحاضر، وهي رياح باردة قاسية تأتي على المزروعات فتتلفها. وهذا النوع من الرياح يشبه رياح الإعصار، وهي ريح قوية تأتي بسرعة فائقة. ونجد نفس الوصف بالنسبة لهذه الرياح الغير العادية لأنها حوادث استثنائية، ولا يمكن أن تدخل في الإطار العلمي الطبيعي لجريان ناموس الأمطار، والوصف لهذه الرياح الاستثنائية يأتي كذلك في سورة القمر لقوله الباري "إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ (19)وهذه الرياح المهلكة أتت مقترنة بالبرودة في الآية الأولي وهو ما عبر عنه الجليل بقوله: ريح فيها صر ومقترنة كذلك بالقوة والعنف وهو ما عبر عنه الجليل بالريح الصرصر في الآية السابقة من سورة القمر وكذلك قوله تعالى في سورة الحاقة "وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (6)"

وهذه الأنواع من الرياح التي جاءت، بصيغة المفرد والمقرونة بالعذاب، لا نستطيع وصفها، ولا تحديد العوامل الفيزيائية والبيئية التي تسببها، لأنها حالات خاصة تعتبر من الآيات الطارئة التي تدخل بها الله سبحانه مباشرة ليهلك الأقوام، وقد مر هذا العذاب ولم نشهده، ولا نقدر حتى على تصوره، لأن هذه الرياح سلطها الله بغتة، ولقوتها المهلكة يصعب تعريفها أو وصفها، ولا يمكن بأي حال من الأحوال تحديدها علميا، لأنها ليست من النواميس الكونية العادية أو الحوادث الجارية، والتي لا تزال تقع فيمكن دراستها والتوصل إلى معرفتها. ورغم الوصف القرآني الذي يقربنا من المعنى ' بريح صرصر' أو 'ريح فيها صر' فيصعب تصورها.

والآية في سورة القمر تتحدث عن الزمن الذي ظلت فيه هذه الرياح مستمرة، وهو يوم وقد لا يعني التوقيت، لأنه مضاف إلى نحس، وقد لا يكون يوم بالنسبة للزمن. والآية في سورة الحاقة تتحدث عن ثمانية أيام و سبع ليال حسوما، يعني باستمرار وبنفس الحدة.

وجاءت الرياح في سورة يونس على وجه الجمع مقرونة بالرحمة، حيث يقول سبحانه وتعالى: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَـذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (22)

أما الرياح التي تهمنا فيما يخص الدورة المائية، فهي الرياح العادية التي تجري طبقا لناموس كوني في كل وقت، ومن جهات مختلفة ومعينة حسب الموسم، والرياح من النواميس الكونية التي لا يمكن للبشر أن يتحكم فيها، ولا يمكن رصدها لتفادي العواصف، وإنما الإخبار بظهورها وهو أمر متأخر. وجريان الرياح يتمشى مع القانون الإلهي، تماما كما تمشي الكواكب وتجري المياه وتسقط الأمطار.

الوصف الأول

ويتطرق هذا الطرح إلى الحوادث التي تؤدي إلى تكون ونزول المطر، وهي الحوادث التي يظهر من خلالها إعجاز القرآن الكريم، وقد لا ينتبه الناس لهذه الحوادث ، لكنهم لو فكروا قليلا في طريقة جلب الماء إلى السماء على شكل بخار ثم تكاتفه وجمعه إلى أن يصبح سحابا ثقيلا محملا بالماء فيسقط على شكل قطرات خفيفة لا تسبب أي خطر على البشر. ونتناول هذا الوصف في سورة الأعراف لقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (57)

والآية الكريمة التي تصف جريان وأهمية الرياح، تبدأ بفعل أرسل " يرسل الرياح " فالتعبير ل يأت بأنشأ أو أجرى أو خلق أو أي تعبير آخر، وإنما جاء التعبير بفعل أرسل، ويدل هذا الفعل على إعطاء أمر لمرسول يطيع الأمر، ويعلم ما أرسل إليه، والإرسال يكون من المرسل إلى أي مكان مقصود ومعين ومعروف ومحدد مسبقا. فالله يملك هذا الرسول وهو الرياح، وهنا يتجلى كذلك قرب المرسول من المرسل، وإلا فكيف يتم إرسال بعيد إلى بعيد، ويظهر هذا القرب كذلك في التعبير"بين يدي رحمته".

إن الأمر هنا في تمام العظمة، "يرسل الرياح نشرا بين يدي رحمته"، إن التعبير بالإرسال يجعل المعنى جد مدقق، ويجعل الخلق كذلك جد مدقق، لأن الإرسال يكون من مكان إلى مكان معروف ومحدد، ولو جاء التعبير بخلق، أو إنشاء الرياح، لكان جريانها أو هبوبها من أي مكان إلى أي مكان، أو في جميع الاتجاهات.

وقوله تعالى "يرسل الرياح نشرا" يأتي بوصف دقيق، و"نشر" تأتي بمعنى مدد وانتشر، وأخذ فضاءا كبيرا أكبر من الذي كان عليه. وهذا التعبير يطلق في علم الفيزياء على الغازات أو الهواء، وتعرف العملية بالتمدد، وتدخل في حلقة دوران غازات التبريد. أما إرسال الرياح نشرا، فيعني انطلاقها من تحت إلى فوق، أو من سطح الأرض إلى الفضاء، تبعا لوجود ضغط مختلف، يجعل الرياح أو الغازات تصعد. وحيث ترسل الرياح من الجو المحيط بالأرض، تأخذ أو تحمل العناصر التي تسبح في الفضاء تحت عامل الضغط، ومن هذه العناصر الغبار والغازات، ويمثل بخار الماء (كغاز) قدرا كبيرا من غازات الهواء أو رياح الفضاء. وهذا التمدد أو النشر تحت عامل الضغط والحرارة، يجعل الرياح تصعد إلى السماء، وكلما ارتفعت الرياح في العلو، كلما انخفضت الحرارة لتصل إلى حد يجعل بخار الماء يتكاثف، وتصبح قطرات الماء التي تتكاثف قطعا من ثلج، يسبح في السماء نظرا لانخفاض الحرارة. وإلى هذا الحد لنا وقفة مع المشهد الإلهي والظل القرآني.

إن الماء إذ يتبخر على سطح الأرض أو في الهواء، لا يمكن أن يصعد إلى علو يسمح ببقائه هناك على شكل بخار، إلا إذا كانت جميع الشروط البيئية قابلة لذلك، ومنها حرارة الهواء، والضغط الجوي، وسرعة الرياح، ففي غياب الرياح يمكن للغازات، أن تبقى في الفضاء على علو يجعلها لا تسقط، ولا تصعد إلى السماء لكن بواسطة الرياح، يمكن صعودها إلى الأجواء العليا، وهناك لا يمكن للماء أن يبقى على شكل سائل، لأن القطرات تصبح ثقيلة فتسقط، وإنما يجب أن يتحول إلى ثلج مع انخفاض الحرارة فيصبح خفيفا، فيسبح في الفضاء في الأجواء العليا، حسب نوعه كما سنرى. وهذا القانون لا يمكن أن يجريه إلا الذي خلق هذا الكون، وقدره وجعله يمشي بحسبان ودقة كبيرة.

يتبخر الماء تحت عدة عوامل بيئية وفيزيائية، ومنها الحرارة والضغط وتركيز المحاليل بالماء. وليست الحرارة هي التي تبخر الماء في الهواء، وإنما ضغط الماء في المادة، والاتجاه دائما نحو التوازن، فمثلا إذا وضعنا ماءا في زاوية جافة، سنرى أنه قد يتبخر ولو تحت الحرارة العادية ليصل إلى التوازن بين الجو الذي يحيط بالإناء الذي يوجد فيه الماء، وإذا كان الجو مشبعا ببخار الماء فلا يمكن للماء أن يتبخر لأن التوازن موجود. ونلاحظ هذا الحادث حينما نلجأ إلى تجفيف الأشياء المبللة كالقماش أو بعض المواد الغذائية تحت الهواء الطلق، فإذا كانت الناحية جافة تجف الأشياء بسرعة، لأن الماء ينتقل تحت عامل الضغط من الوسط الغني، وهو القماش إلى الوسط الفقير وهو الجو. وإذا كانت الناحية بها رطوبة مرتفعة، فلا تجف الأشياء بسرعة، وإنما تستغرق وقتا طويلا، لأن النظام يقترب من التوازن كثيرا.

وننطلق من قانون راولت:

PA = P'A . χA . γA

χA الكسر الجزيئي
P'A ضغط المكون
وإذا أخذنا الكمية χA . γA فهي تمثل نشاط المكون A في المادة أو في المحلول، ولنخرج هذه الكمية بكتابة قانون راولت على شكل كسر ضغط.

P'A = χA . γA = χB . γB = Constante / PA

ونرى أن كمية الكسر: ضغط المادة A في المحلول على ضغط المادة الخالصة عند الحرارة θ يعطي:

P / P' = (χA . γA)θ

وتسمى الكمية (P / P0) θ النشاط المائي، والتي تدل على كيفية وجود الماء بالمادة وليس كمية الماء والتي نعبر عنها بالرطوبة.
وإذا أخذنا الكمية عند درجة الحرارة θ
P / P0 = χA . γA = aw

حيث يتبخر الماء على شكل بخار ينتشر في الجو ويتمدد، وتأخذه الرياح إلى علو تنخفض فيه الحرارة، وحيث يصل إلى درجة 0 يتكاثف ويصبح ماءا سائلا ثم يكمل الدورة إلى أن يصبح ثلجا، وتلعب الرياح دورا أساسيا في أخذ الماء على شكل بخار إلى الأجواء العليا بسرعة فائقة، من حيث يدخل في المنطقة الباردة 20 إلى 60 درجة تحت الصفر، فيتجمد بسرعة، ليعطي بلورات ثلجية صغيرة، لأن التجمد السريع يعطي ثلجا رقيقا، بينما يعطي التجمد البطيء قطع كبيرة من الثلج.

وإلى جانب الضغط هناك عوامل أخرى تساعد على تبخر الماء في المرحلة الأولى، ليصعد إلى الأجواء العليا ثم يتكاثف البخار، ويتجمد ليصبح ثلجا وذوبان الثلج ليعطي الماء السائل أو المطر. ويمر الماء من هذه الحالات التي تسمى بتحول الحالات للمادة.

وتتبع التحولات قانون كلوسيوس كلابرون Clausius-Clapeyron.

dp / dT = Se - Sv / Ve - Vv = ΔSt / ΔVt

ΔV و ΔSمتغيرا الأنتروبيا والحجم الناتجين عن الانتقال من طور لآخر إذا كانت الحرارة الكامنة لتغيير الحالة (تبخر) هي ΔHv

فإن المعادلة ΔHv / T = ΔS تصبح
dP / dT = ΔHv / T . ΔVv

وتنطبق هذه المعادلة على كل التحولات من السائل للغاز، ومن الصلب إلى السائل وما إلى ذلك. وهذه المعادلة الأخيرة لا تحل إلا إذا كانت تغيراتHv مع الحرارة معروفة، وقانون تحول الحالة في الطورين.

V = f (T) V = f (p)

إذا كانت الحرارة جد متباعدة T << TC يمكن أن نستغني عن Ve أمام Vv يعني أن الغاز يتصرف كغاز مثالي.
P.V = 1/M . R . T

والمعادلة الثانية (2) تصبح:

1/ P.dp/ dT = d(ln p) / dT = M . ΔHv / RT2
dp/ dT= M . ΔHv / RT2 . p (C0)
d(ln p) = - M / R . ΔHv . d(1/T)

إذا كانت ΔHvثابتة لا متغيرة تصبح المعادلة كالتالي:

ln p / p0 = M . ΔHv / R . ( 1/T0 - 1/T)


وتعكس هذه الحقيقة القرآنية بعض الخصائص الفيزيائية للماء، ومنها التبخر والتكاثف والذوبان، وكل هذه التحولات تمشي طبق قوانين فيزيائية مدققة، من حيث العوامل التي تدخل في العملية، ومنها الحرارة والضغط ووجود بعض العناصر في الفضاء غير بخار الماء.

ونأخذ المرحلة الثانية التي تلي صعود بخار الماء إلى طبقات الأجواء العليا. فيأخذ في التكاتف والتجمع وهو ما جاء في الآية التالية في سورة الأعراف: وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (57)

إن معنى "أقل" كما جاء في الجامع لأحكام القرآن هو حمل الرياح إذ تحمل بخار الماء من الأرض إلى الأجواء العليا حيث يتكاثف فيصبح ثلجا فيصبح السحاب ثقيلا، وهو السحاب الممطر نظرا لوصوله إلى حالة التشبع ثم يصل إلى طور الإمطار. وهذه الرياح لا تحمل السحاب الثقال لأول وهلة وإنما هناك التجمع وهو الطور الذي يصل فيه الماء إلى حدود يصبح ثقيلة بمعنى ممطرا ولذلك جاء التعبير ب"حتى"، فيتم إرسال الرياح النشر أي متمددة ثم تأخذ في حمل الماء وهو ما يعبر عنه الباري ب"أقلت" وبعدها يمر هذا الماء من الأطوار المؤدية إلى الأمطار.

يتكون السحاب من تكاتف الماء وتحوله إلى ثلج، وهو أنواع عديدة يذهب من الضباب إلى السحاب الثقال، ويتجمع الماء، ويتكاثف إلى أن يصبح جبالا من السحاب، فتسوقه الرياح إلى أن يصل إلى درجة الإمطار. لكن كيف تتم هذه العملية، ومن أي نوع من السحب، وأي نوع من المطر. إننا نعلم سقوط المطر في فصل الشتاء، حين يكون هادئا شاملا رقيقا، ودائما لمدة طويلة أثناء الليل والنهار. ونعلم سقوط المطر في فصل الربيع، حيث يكون منقطعا متقطعا جارفا وثقيلا. ونعلم سقوط المطر الشديد في فصل الصيف حين ترعد السماء، وتعطي عواصف، حيث يتساقط الماء دفعة واحدة وما إلى ذلك من الأوصاف. ونعلم كذلك سقوط الجليد أو البرد بأحجام مختلفة، ربما تكون صغيرة فلا تؤدي، وربما تكون كبيرة قوية فتتلف المزروعات، وقد تتسبب في إفساد المساكن والدور. إن في هذه الآية يتوقف المعنى على إرسال الرياح وحملها للسحاب.

الوصف الثاني

وفي هذا الوصف نجد تدقيقات حول المراحل السابقة وتمهيد لبعض الحوادث الأخرى التي تضيف تفسيرا علميا شاملا لمراحل تكون الأمطار ونزولها، ونقف على عملية البسط التي ستمثل مرحلة أساسية للقاح السحب وتكون البلورات الثلجية، إذ سيتجمع الماء حول القطيرات التي يتم بسطها في السماء ليكون التجمع سهلا ومتجانسا. ويأتي هذا الوصف في سورة الروم ليكتمل المعنى الحقيقي، الذي يبين تدقيقات أخرى بشأن كل الحوادث التي تخص حركة الماء في السماء حيث يقول تعالى "اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاء كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (48)"

يبدأ الوصف في هذه الآية بإرسال الرياح، كما سبق أن بينا ذلك في الآية الأولى. وبعد الإرسال يأتي الوصف لتدقيق الكيفية التي يتكون عليها السحاب، "فتثير سحابا" جاء العطف هنا بالفاء، لقصر الزمن الذي يفصل بين إرسال الرياح وإثارة السحاب، حيث يبدأ الحادث بإرسال الرياح التي تأخذ الماء المتبخر، لتصعد به إلى الأجواء العليا، ثم تبدأ عملية إثارة السحاب مباشرة. إن عملية تكون السحاب ملتصقة في الوقت بعملية إثارة السحاب، وهذه هي أول مرحلة يمر منها الماء، قبل أن يصبح سحابا ممطرا.

وبعد إثارة السحاب، هناك عملية البسط في الأجواء العليا، وجاء العطف كذلك بالفاء "فيبسطه في السماء كيف يشاء"، وهي المرحلة الثانية لتكون السحاب، وهو انتشاره وبسطه وكأنما يفرش، وفي الآية تتمة لعملية البسط، وهي الكيفية التي ستكون نوع السحاب، ولذلك قال تعالى"فيبسطه كيف يشاء" لأن هناك أنواع عديدة، وتبدأ كلها من هذه المرحلة، ويبين الله الخالق لهذه الأشياء، النوع الممطر الذي ينزل منه الماء، فجاء ذلك في الآية الكريمة "ويجعله كسفا"، فالعطف بالواو يبين أن المرحلة تستغرق وقتا، ثم أن تحول السحاب إلى كسف، إنما هو نوع من بين أنواع أخرى من السحب، التي تشمل في تكونها المرحلتين السابقتين، لكن حالما يصل السحاب إلى مستوى الكسف، يبدأ الماء في النزول أو المطر. "فترى الودق يخرج من خلاله". وجاء العطف هنا بالفاء كذلك، لقصر المدة واتصال العمليتين، والتعبير بالودق جد دقيق في المعنى.

"يخرج من خلاله" إن استعمال فعل خرج، يعني حركة الماء ونزوله، فهو لا يسقط من الكسف، وإنما يخرج من خلالها، يعني أن هناك ماء يسقط من أجزاء هذه الكسف الداخلية وليس منها كليا. لأن التعبير بالخروج، يعني المكان، لكن "من خلاله" تعني من بعضه أو من بعض أجزائه، وطبعا فإن السحب أو الكسف لا تعطي الماء دفعة واحدة، فمن الناحية الفيزيائية لا يمكن، لأن ذوبان الثلج لا يكون دفعة واحدة، وإنما يكون شيئا فشيئا وكأنما هذه القطع الثلجية تقطر بالماء، وهذا ما يعبر عنه الباري ب "من خلاله". ولننظر إلى التناسق في اللغة والوصف، وكذلك التناسق والإحكام بالنسبة للحقائق العلمية، ووصف المراحل التي يمر منها تكون السحاب، وهو شيء لا يمكن أن تضاهيه العلوم الحديثة، فمن إرسال الرياح وانخفاض الحرارة، إلى إثارة السحب وتكون قطرات الماء الصغيرة، ثم بسط هذه الطبقة في السماء على أشكال مختلفة، لتعطي أنواعا مختلفة من السحب، وبعد تكاثف وجمع هذه الأجزاء المتطايرة في الفضاء على شكل سحب كبيرة الحجم، أو جبال من الثلج أو كسف، وهو ما جاء التعبير عنه بالسحاب الثقال، فعند هذا الحد يصبح السحاب ممطرا لتوفر الشروط الكونية، التي تجعل الثلج يذوب ويتقاطر على الأرض.

ومعنى الكسف أو السحاب الثقال في هذه الآية، لا يأخذ حقه من التفسير كما يجب، لأن هناك قوانين كونية تأخذ بعين الاعتبار العوامل البيئية، التي تدخل في جريان وتكون السحب، ثم إنزال الماء أو المطر، وهي عوامل تجعل الدالة الرياضية من عناصر شتى، وهذه المعادلة هي التي تنظم جريان المطر، ومن هذه العوامل نجد الحرارة والضغط وسرعة الرياح وثقل السحاب وخصائص الماء الحرارية وما إلى ذلك. وقد نستكمل كل المعاني، لنجعل من هذه الآيات كتابا ضخما، فتظهر الحقيقة القرآنية بعظمتها. وتظهر بذلك معجزة القرآن والسنة على مستوى أعلى من العلوم الكونية الحديثة.

بعدما تكلمنا عن وصف تكون السحب، ودور الرياح في إنزال المطر، ورفع بخار الماء إلى الأجواء العليا، فإن هناك آيات أخرى تعطي تدقيقات جديدة في هذا الخلق، وإن كانت الآيات التي ذكرنا أتت بأوصاف عامة وكاملة، لكن تزداد هذه الأوصاف دقة، ويكتمل الوصف العلمي بهذه الآيات الأخرى التي تدقق أكثر.

descriptionالماء ... Emptyرد: الماء ...

more_horiz
الوصف الثالث

ولابد من تفسير كل الحوادث التي تدخل في الدورة المائية لنفهم حركة الماء في الطبيعة، وبعدما بينا كيف كيف تلعب حالة الماء الدور الرئيسي في تسهيل هذه الحركة، بمعنى أن الماء لو لم يكن من الممكن أن يوجد على شكل بخار وسائل وصلب لكانت الدور المائية مستحيلة. ومرحلة التلاقح هي المرحلة الحرجة في نجمع وتجمد الماء على شكل بلورات صغيرة قابلة للإعتصار والدوبان لتعطي مطرا وهو الشكل الذي ينزل عليه الماء من السماء، فالاتجاه من الأرض إلى السماء يكون على شكل بخار ومن السماء إلى الأرض يكون على شكل سائل أو ماء. وهذا الحادث فصله الله سبحانه وتعالى في سورة الحجر بقوله "وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (22)"

جاء في الجامع لأحكام القرآن للقرطبي أن كلمة لواقح مشتقة من لقح، ولقح بالتشديد والتخفيف قراءتان، ولواقح جمع لاقحة، وتطلق على الأنثى التي بلغت الإنجاب. إلا أن هذا المعنى قديم، ويعرف التلقيح في وقتنا، بإدخال شيء من أصل حي إلى جسم حي، كالتلقيح بالأمصال والجراثيم أو المضادات البكتيرية وما إلى ذلك. ويطلق التلقيح على إدخال خلية في خلية، كتلقيح البويضة بالحيوان المنوي، أو تلقيح الزهور عند النبات بحبيبات اللقاح، وكل هذه المعاني تبتعد عن المعنى الذي جاءت به الآية، وكل هذه التفاسير لا تتناسب مع موضوع الآية الذي يهم الرياح. فكيف ترسل الرياح لواقح ؟. ظن العلماء أن هذه الآية ربما تدل على تلقيح النبات، بحمل حبيبات اللقاح من زهرة إلى زهرة، وهو أمر معروف عند علماء النبات. وكون الرياح تقوم بهذا الغرض حقيقة في علم الأحياء، لكن سياق الآية الكريمة لا يتناسب مع هذا المعنى، وقد أخذ به كثير من العلماء الكونيون في العصر الحاضر، وهو تفسير خاطئ، نظرا للسياق العلمي للآية وموضوعها. فالرياح تلعب كعامل لحمل حبيبات اللقاح من زهرة إلى زهرة، كما أن هناك عوامل أخرى كالنحل والحشرات وما إلى ذلك، لكن الموضوع الذي تناولته الآية، لا يخص النبات، وإنما يخص عملية تكاثف الماء في الفضاء، ثم عملية سقوط هذا الماء على شكل مطر. فما الذي يجعله يتكاثف ويصبح ثلجا، ثم ما الذي يجعله ينزل ماء من جديد على سطح الأرض.

إن إرسال الرياح لتلقيح السحاب، يتبعه نزول الماء، فيجب أن ننظر ماذا تلقح الرياح في السماء، ليكون له علاقة مع نزول المطر. ولو جاء العطف بالواو، لكان إرسال الرياح وإنزال المطر أمران منفصلان، لكن العطف بالفاء، يجعل الإنزال متوقف على الإرسال. فهناك عملية فيزيائية صرفة، يعرفها علماء الصناعات الغذائية والصناعات الكيماوية، من حيث أن تبلور المواد الكيماوية كالأملاح والسكريات وما إلى ذلك يحتاج إلى تلقيح، وهي عملية يتحول بموجبها المحلول الذائب إلى مركب صلب، يترسب ويعزل بسهولة، ولكي يتبلور المركب يجب إضافة حبيبات صغيرة، لتتجمع حولها البلورات وتسمى العملية بالتلقيح Nucleation ، وتستعمل عملية التلقيح في صناعة السكر وكثير من المواد الأخرى المتبلورة. ويجب أن تجد جزيئات السكر حبيبات صغيرة تجتمع حولها، حيث يضاف السكر المسحوق جيدا إلى المحلول أو المركز، وتلعب هذه الحبيبات الصغيرة التي أضيفت دورا هاما في تبلور السكر، وتكون بلورات كبيرة يمكن عزلها، وهذا التلقيح هو الذي يناسب سياق الآية الكريمة، وليس المعنى الذي يتكلم عنه المفسرون بشأن تلقيح النبات.

والفهم العلمي للأحداث، هو أن الرياح تلقح السحب قبل أن تكون سحبا، وهنا نرجع للغاية من العملية، التي تكلمنا عنها وهي عملية التلقيح. فالرياح تلقح السحب بقطيرات الماء أو الثلج التي تتكون حولها قطع الثلج الكبيرة. والمعنى محمول على نزول الماء، أي أن السحب لما تصل إلى مستوى الإمطار، تصبح جاهزة لكن ينقصها التلقيح، وهو الغبار الذي تحمل الرياح، فيصيب السحاب، ثم يسقط الماء أو المطر. لكن عملية الإمطار تكون نتيجة إفراغ ضوئي، حيث تنساب قطرات الماء على شكل تموجات ناتجة عن إفراغ ضوئي يشحن السحب. ويبقى المعنى مرتبطا بهذه العملية، فهناك رياح تحمل الماء من الجو إلى الفضاء أو الأجواء العليا، حيث تتكاثف وتتجمد على شكل ثلج فيتكون السحاب، ثم هناك الرياح التي تهب قبل سقوط المطر، فيتبعها المطر وهي الرياح المبشرة. وتعرف الأبحاث العلمية هذه الحقيقة المرتبطة بإشباع السحب بالغبار Saturation))، ونزول المطر مباشرة كلما تم هذا الإشباع.

الوصف الرابع

ولا تزال الأوصاف القرآنية تتعدد، وتدقق كل الحقائق العلمية الكاملة، والتي لا يصحبها تردد ولا تناقض. هذه الأوصاف الدقيقة التي جاء بها القرآن الكريم من عند خالق هذا الكون، وهو أعلم بكنهه، والحكمة التي خلق لها، وما أودعه فيه الخالق، ليجعل حياة الإنسان سهلة ويسيرة. وإذا كانت الآيات السابقة، أعطت وصفا دقيقا لكل مراحل تكون السحب، ونزول الماء من السماء، فإن هناك المزيد من الحقائق العلمية، التي تتحدى كل ما وصلت إليه العلوم الحديثة الناقصة أمام علم العليم. وكيفما كانت الأوصاف العلمية الحديثة، فإنها ولو توافق المعنى القرآني، تظل في مستوى لا يرقى إلى الحقيقية القرآنية المطلقة.

ويخص هذا الوصف مرحلة أخرى من المراحل التي يمر بها الماء ليسقط مطرا. وربما تكون مرحلة دقيقة بالنسبة لخصائص الماء الفيزيائية والعوامل الخارجية أو البيئية، التي تعمل على جريان هذه الأحداث، وهو الناموس الكوني الذي يصفه القرآن وصفا رياضيا دقيقا، ونجد في سورة النور قوله تعالى "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (43)"

ويدل هذا التعبير على التقطير الحر السائل وكأنما ينزل بسهولة تحت الجاذبية لا يرغمه أي عامل على النزول وهذا الشكل من المطر يكون من السحب الركامية ويكون نزوله إلى الأرض متجانسا وهادئا. ويخرج الودق أو القطر من خلال السحب بعد تأليفها وتركيمها وهي الأطوار التي تسبق مرحلة الودق بمعنى أن ذوبان السحاب لا يكون فجأة واحدة وإلا كان مهلكا وإنما تلعب السحب على إخراجه شيئا لكي يصل إلى الأرض في هدوء من حيث لا يفسد المزروعات.

ويخص هذا الوصف تكاتف السحب، وهي المرحلة التي تأتي بعد نشر الرياح، وقد تقدم المعنى فيما سبق، ومعنى يزجي يدفع برفق وبهدوء، بدون حركة تثير تبعثره أو تفريقه، وهذه المرحلة تعقب مرحلة التمدد، فبعد تمديد وبسط السحاب في السماء وتكاثره، تبدأ عملية الجمع والتكتيف، بدفع هذه السحب برفق، دون أن تحدث حركات متموجة، فتبعثر أطراف السحاب، ويساق السحاب إلى خط التجمع، حيث تبدأ المرحلة الموالية، وهي مرحلة التآلف، "ثم يؤلف بينه"، وظرف المكان هنا يعود على السحاب، والسحاب اسم جمع. فلماذا أتى التعبير بهذا الظرف؟ لأن القول لا يعني أطراف منفصلة، كما يفهم من لغة السحاب، فلو اقتصرنا على اللغة وحدها، لقال الله يؤلفه، لكن يؤلف بينه تعني تأليف أو جمع أجزاء السحب أو الثلج المتفرقة أو المتمددة أو المبسوطة، كما جاء في الآيات السابقة، وهناك خبايا علمية هائلة، لا يمكن أن تفهم بالتعبيراللغوي فقط، وإنما توضح بالعلوم. وبعد تآلف أطراف السحاب المختلفة، تأتي عملية التركيم أو الجمع أو التكديس على شكل كتل ضخمة، أو ما يعبر عنه القرآن بالركام أو الكسف، وهنا يترادف معنى الآية السابقة مع هذه الآية. وعند هذه المرحلة تبدأ عملية الإمطار كما جاء في الآية: "فترى الودق يخرج من خلاله" والعطف في هذه الآية جاء بالفاء، لأن ليس هناك فترة أو وقت يتوقف عنده الحدث ثم يستمر، وإنما يبدأ المطر حال وصول الجمع إلى طور الركام. والودق ليس أي مطر، وإنما المطر الغزير المتجانس المتوازن في النزول، بدون زوابع أو رعد أو رياح شديدة، ومعنى ودق كما جاء في كتب التفسير.

أما التعبير بظروف الزمان "من خلاله "، وليس بالجار والمجرور (منه)، فيعني أن المطر لا يخرج من السحب المركومة، وإنما من بعض أجزائها، ولو نزل ماء السحب دفعة واحدة، لجرف كل ما على الأرض، ولأفسد النبات، لكن تمت حكمة الله أن يخرج الماء من بين السحب، فيتساقط على الشكل المعهود وهو المطر. ونلاحظ أن شكل الصبيب يكون متنوعا، وقد يتنوع حسب المنازل أو المناطق أو الفصول. فهناك الصبيب القوي الذي لا يدوم طويلا، لكن يخلف كميات هائلة من الماء، وهناك المطر الغزير الذي يكون شاملا لمنطقة كبيرة، وقد يدوم بضع ساعات، وهناك الصبيب الرقيق الذي يدوم طويلا، ربما أياما متواصلة، وهذا التنوع والنزول، يجعل عملية الإمطار لا تخضع لقواعد علمية، من شأنها أن تتحكم في الرصد أو التقدير أو التغيير من مجرى السنن الكونية، على غيرالشكل الذي ارتضاه لها الخالق، وفي الوقت الذي حدده لها المجري لهذه الأحداث.

ونعود إلى الشطر الثاني وهو نزول الماء على شكل برد، حيث يقول عز وجل في نفس الآية: "وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء". فكما عبر الحق سبحانه عن الكيفية التي يتم بها نزول الماء من السحب أو من المزن، بتدقيق اللغة مستعملا تعبير"من خلاله" وليس منه. ونجد كذلك في هذا الجزء من الآية المتعلق بنزول البرد تعبيرا آخر استعمل فيه الباري 'من جبال'. فالوصف هنا جد دقيق من حيث الحقيقة العلمية، ذلك أن الجبال أو الكسف لا تسقط فجأة واحدة، وإنما بعض الأجزاء التي تسقط على شكل حبيبات صغيرة، ولذلك قال تعالى "من السماء من جبال فيها من برد". بمعنى أن نزول البرد يكون من السماء وكذلك من الجبال الثلجية الموجودة فيها. فالإشارة بالجار والمجرور 'فيها' يعود على السماء، حتى لا يظن القارئ الجبال التي على الأرض، وقد بين الله هذه الجبال التي في السماء، والتي ينزل البرد من بعض أجزائها. ووجود جبال في السماء يصعب تصوره لكن هذه الجبال تشترك مع جبال الأرض في الشكل، ولا تشبهها من حيث البنية، لأن جبال الأرض ثقيلة وثابتة، وجبال السماء خفيفة نسبيا ومتحركة. وهذه الجبال ليست هي التي تسقط على الأرض، وإنما تعصر أو تذوب شيئا فشيئا عند وجود الشروط الملائمة لذلك كما سبق الذكر. وحيث تذوب فإن الماء السائل هو الذي يسقط وهذا ما يفسر من جبال ويفسر كذلك خروج الماء من خلاله الذي جاء في الآية السابقة.

وننتقل إلى الحدث الموالي وهو الشكل الذي ينزل عليه البرد، حيث يقول عز وجل فيصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء، فلو أراد الله أن يهلك به قوما لفعل كما فعل بقوم صالح، وهو إنزال البرد فجأة واحدة، وليس 'من جبال' كما جاء في الآية، وإنما إنزال هذه الجبال أو الكسف كلها دفعة واحدة، فتأتي على الأخضر واليابس، وهذا ما يدل عليه تعبير"فيصيب به من يشاء". وقد ينزل الله من هذه الجبال قسطا من البرد، فينزل على شكل حبوب صغيرة، وفي هذا كذلك حكمة بالغة، وهو أن الله يرينا كيف يمكنه أن يهلكنا لو شاء، لكن إنزال هذا الشكل يعني أن الله قد صرف عنا الشكل المهلك، وهو ما يتمم قوله سبحانه "ويصرفه عمن يشاء". وقد نشاهد أحيانا أن هذا البرد، قد يزيد بقدر طفيف عن الشكل المعتاد، فيهلك بعض المنتوجات الزراعية، أو قد يفسد بعض الأشياء من كسر الزجاج، أو تمزيق الأغطية في الحقول المغطات كالدور الزجاجية. ولو زاد بقدر كبير عن هذا الحد، لهلك كل شيء من حيوان ونبات وبشر وكل الكائنات.

الوصف الخامس

إن أول ما نزل من القرآن في موضوع الماء، ما جاء في سورة عبس حيث يقول الله عز وجل: فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِه "أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبّا ً.(25). ولو كان الناس يعلمون حقا ما الحجة، لكان كل شيء في هذه الدنيا حجة على أن الله سبحانه وتعالى هو الخالق. ولما نريد أن نجعل شخصا يقر بالحقيقة، فإننا نطلب منه أن ينظر هو بنفسه في الأمر، وهذا أكبر مستوى يصل إليه الإنسان من الرشد والعقل والحكمة، من حيث يكون هو نفسه الحكم، فيقال له انظر هذا الأمر واحكم بنفسك، فهنا لا يمكن أن يتعامى أو يتجاهل الحقيقة لأنها جلية، وإلا فهو جاحد. وفي هذه الآية يقول الجليل جل جلاله: " فلينظر الإنسان إلى طعامه " وهو ما يجعلنا نقر أننا لا نصنع أغذيتنا، ولا نتحكم فيها أبدا، فهل ننبث الزرع والأشجار، هل نتحكم في إسقاط المطر، هل نتحكم في عيش الحيوانات، طبعا لا. ونتبع السياق القرآني لنفهم العلوم الكونية، كما جاءت في القرآن، وليس كما يصفها لنا العلماء.

صب بمعنى سكب وغمر وعم ولبس، والصبيب هو الماء المسكوب. وقد يأتي المصدر على صورة الصيب كما جاء في سورة البقرة "أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ واللّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ (19)"

والصيب هو الصبيب القوي، أو نزول المطر دفعة واحدة، ويعرف هذا النوع من الصبيب، إذ قد يخلف كميات هائلة من الماء في بضع دقائق، ومنه تحمل المجاري فتسبب بعض الكوارث أحيانا، ولذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو إذا أخذ المطر في السقوط "اللهم اجعله صيبا نافعا". وصب تعني كذلك إفراغ الماء بكثرة، أو نزوله من السماء بكثرة، ويأتي كذلك بمعنى انهمر كما جاء في سورة القلم: "ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر". وكذلك معنى انهمر يعني الصبيب القوي الذي يوشك أن يأتي على كل شيء، ولذلك استعمل الله هذا المعنى، للتعبير عن هلاك قوم نوح لما كذبوه، فدعى ربه بعدما نفدت حيلته، وبعدما رأى أن القوم يزيدون في كفرهم.

وسورة عبس من القرآن المكي، ومن أوائل ما نزل من القرآن، وفيه الحجة القاطعة، واللغة البالغة، لأنه بداية المعجزة، ويجب أن لا يجد فيه المشركون والكافرون معنى مألوف ومعروف، وقد ألفوا الشعر والشعراء، بل كان كلام العرب كله شعرا. والقرآن نزل بعد المعلقات السبع وأدرك الشعراء، وهم سادة اللغة العربية والعارفون بأسرارها، أنه ليس كلام البشر، وأن فيه إعجاز لغوي، فكان التأثير بالغا في أنفسهم، ولم يسعهم إلا أن أسلموا طواعية وعن اقتناع لا رجوع فيه.

والحديث عن الماء في هذه الآية ولو أن ألفاظها بسيطة لتعميم الخطاب لعامة الناس، لا ينحصر على العصر الذي نزلت فيه فالله ضرب مثلا للإنسان بأقرب الأشياء إليه وهو طعامه، وكيف ينزل الماء، وينبت الزرع والثمار كي يتغذى، وهو لا يفكر أو يتدبر كل ما يخص هذه الآيات. ثم إن الآية ولو بمعناها البسيط من حيث اللفظ واللغة، ورغم السهولة التي عبر بها الله عز وجل ليفهم كل الناس، ترمي إلى أدق الظواهر العلمية وأسماها في ميدان العلوم الأحيائية وعلوم الأرض والعلوم الفيزيائية.

كان القرآن في البداية يركز على البلاغة اللغوية، وضرب الأمثلة بالحجج الملموسة، التي تيسر فهم خلق هذا الكون، وقد كان المعنى أو الفهم يقتصر على الإلمام باللغة، والدخول في خباياها عن طريق الشعر في أغلب الأحيان، لكن القرآن يبقى المعجزة الأخيرة على امتداد الزمان والمكان، وقد تقدمت معرفة الإنسان العلمية بعدما انهارت قواه اللغوية، ولكل عصر إعجاز ومعجزة. وأصبح القرآن في العصر الحاضر أكثر إعجازا من أي وقت مضى، وتنبأ المسلمون، منذ أن نزل الوحي في العديد من الآيات بالمعجزة الدائمة والممتدة مع الزمان والمكان.

ورغم أن لغة الصب التي جاءت في الآية الكريمة كانت معهودة ومفهومة، فالخطاب صالح لجميع العصور، ولجميع مستويات المعرفة، بل حتى لعلماء الميدان في العصر الحاضر وفي العصور المقبلة، ولو أننا لا نقيس النص القرآني بالمعرفة العلمية، لآن الوحي كامل والمعرفة ناقصة.

ونرى من خلال الوصف للأحداث، كيف بين عز وجل كل هذه الأحداث الجسيمة والعظيمة في آيتين بخطاب بسيط، حيث يصف تهيئ الأرض للإنسان ليعيش عليها، ومنها ومن خلالها وتحت سمائها وبين فضائها وهوائها.

وإن معنى كلمة صب الماء بالخطاب البسيط للإنسان العادي، يتحول مع الكشوفات العلمية إلى خطاب علمي، يتحدى الاختراع والكشف الذي وصل إليه الإنسان، ويسمو عن الوصف العلمي المحدود والضيق. فربما كان صب الماء على سطح الأرض، إذ لم تكن عليها مادة غير الصخور الصلبة المكونة للقشرة الأرضية، ويتسبب الماء بقدرة الخالق في تفتيت الصخور إلى تربة، وهو ما دلت عليه الآية الموالية "وشققنا الأرض شقا " وهو كذلك خطاب بسيط للإنسان العادي، لأن الشق قد يفهم منه الحرث أوإخراج النبات من الأرض، ونحن نعلم كيف تنبت الحبة تم تعطي نبتة، حيث تنقسم إلى جذور تذهب في الأرض، وشتلة تخرج إلى الوجود، لتصبح نباتا أو شجرة.

ويذهب معنى الشق إلى أكثر من ذلك، وهو شق الصخور وتحويلها إلى تربة، وشق هذه التربة بتسرب الماء والهواء بداخلها، لتصبح بيئة صالحة لحياة النبات، ويلعب الماء دور الوسط للمفاعلات الكيماوية في التربة، ولذوبان الأملاح والعوامل الأخرى التي تمثلها النباتات، ولرفع النشاط المائي بالتربة لجعلها ملائمة لحياة الجراثيم، التي تعيش فيها وتحول المواد العضوية إلى مواد معدنية تلعب دور السماد، وتساعد على نمو النبات وحياته وكذا تكاثره واشتداده.

ولغة الشق تتعدد معانيها الكثيرة، من مخاطبة الإنسان العادي إلى مخاطبة العالم المتخصص في العلوم الكونية، وخصوصا علوم التربة وعلوم الأرض. ولدى فإن القرآن يضم جميع المستويات، ويشمل كل المعاني من أدناها إلى أقصاها. والخطاب صالح لجميع العصور على امتداد الزمان والمكان. ولربما قد فهمنا بعض النظريات البسيطة، ولا زال الكثير في هذه العلوم الكونية لم يفهم بعد، وقد يتدبره جيل المستقبل، وليعلم كذلك أن الذي خلق هذا الكون وأنزل القرآن قادر على خلق أشياء أخرى، وأنه عليم بما في كتابه أنزله رحمة للعالمين.

وحسب تركيب التربة فإن الماء قد يشق بسهولة، أو قد لا يشق القشرة الأرضية إلى حد بعيد، كما قد يتبخر بسهولة من خلال التربة، وقد يبقى لمدة طويلة منحبسا في البنية الترابية، ولهذا نجد أن التربة الرملية والكلسية تكون دائما جافة، ولا تحفظ الماء لوقت طويل، بينما نجد التربة الطينية تحبس الماء لمدة طويلة.

وينفذ الماء السطحي إلى منطقة الجوف، ليكون أنهارا بداخل الأرض أو الفرشة المائية، وهي المياه الجوفية التي تغدي العيون والآبار. وتتفاوت أبعاد هذه المياه من السطح، فربما توجد في بعض المناطق على بعد متر أو مترين، وقد توجد على بعد مائة متر فأكثر، وهنا نصل كذلك إلى معنى آخر للغة الشق والحفر والتنقيب عن المياه الجوفية، من آبار وعيون لتستعمل للري، فيخرج بها الحب والعنب والقضب والفواكه والأب، كما جاء في الآيات الموالية في سورة عبس: فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً (27) وَعِنَباً وَقَضْباً (28) وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً (29) وَحَدَائِقَ غُلْباً (30) وَفَاكِهَةً وَأَبّاً (31) مَّتَاعاً لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (32)

أما وإن تناولنا المعنى البسيط للغة الشق، فإن هناك آية أخرى من آيات الله في هذا الكون، وقد نمر عليها ونحن عنها معرضين، كما قال تعالى في سورة يوسف " وكأي من آية من آيات ربهم يمرون عليها وهم عنها معرضون. ذلك أن النبتة الأولى الصغيرة للحب أو النوى، التي تخرج تحت التراب والحجر المتراكمين عليها، يجب أن تخرج إلى الوجود لتستقبل أشعة الشمس، وتبدأ عملية التمثيل الضوئي، والنمو وإخراج الثمار. وكم ينسى الإنسان هذه الآية لما تخرج النبتة من تحت التراب، وهي تشق الأرض شقا رغم ضعف بنيتها، وقد ترفع حجرا فتخرج من تحته، ونعلم جيدا أن كلما نزل المطر خرج النبات من الأرض واخضرت. فالماء يشق التراب إلى أسفل، والنبات يشق التراب إلى فوق، وإن هذه العملية التي تظهر بسيطة وبديهية للإنسان العادي، تمثل ظاهرة معقدة، ولها أحكامها وقواعدها التي تدل على آية الله في الخلق، بشق التراب وإخراج النبات.

ضرب الله للإنسان مثلا بأشياء يعلمها ويألفها، ويعلم ضرورتها لحياته، ليرغمه على التذكير. ولم يأت الخطاب معقدا لغويا، ولا بعيدا معنويا، ولا بأشياء توجد في منطقة دون منطقة، أو في السماء وما إلى ذلك. جاء التذكير بصب الماء، وهو الأمر الذي يستحيل معه استخدام قوة الإنسان لصبه، تم شق الأرض والإنبات، وهو الأمر الثاني الذي لا يملك الإنسان أدنى تدخل فيه، إلا عملية الحرث والزرع أو الغرس، دون الإنبات وإخراج النبات من تحت الأرض، كما يؤكد ذلك القرآن الكريم لقوله تعالى في سورة الواقعة: أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64) لَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (65)

ويصف الله كذلك بعض العناصر النباتية، بتلخيص عام في الحب كالقمح والحنطة، تم العنب والقضب، وهو كل ما يقضب أو يجنى، وفيه لغات كما جاء في القرطبي. والزيتون والنخل وهي أشجار يعرفها الإنسان جيدا، ويألفها، ويعرف مدى أهميتها، والحدائق الغلب، والفاكهة والأب، وهو كل ما ينبت على الأرض، مما ينتفع به الإنسان، وهو خاص بالدواب.

descriptionالماء ... Emptyرد: الماء ...

more_horiz
حركة الماء على الأرض

رأينا نزول الماء من السماء والحوادث والعوامل التي تساعد على الدورة المائية في الكون ورأينا معجزة ضخ الماء من الأرض عن طريق الخصائص الترمودينامية الحرارية وتحوله إلى ماء سائل ليسقط على الأرض على شكل مطر. ونستعرض فيما يلي مياه البحر وحركة انتقال الأملاح والمناطق الحاجزة لهذا الانتقال كما قال تعالى في سورة الفرقان: "َهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَّحْجُوراً (53)"

تأتي كلمة مرج بعدة معاني، حسب السياق وحسب الموضوع، وأغلب ما يصرف إليه المعنى المتداول، هو خلط ومزج وقد تأتي بمعنى اتصل، وكل هذه المعاني مترادفة، وتعني اتصال الشيئين، ولا تعني خلط، لأن الخلط تعبير يراد به اندثار الشيئين، أو الأشياء التي تخلط وظهور خليط له صفات جديدة، وما يهمنا من الناحية العلمية، هو أن المزج في الآية الكريمة، يعني أن مياه البحرين يدخل بعضها مباشرة مع بعض دون حاجز فيزيائي يفصلهما. وتكون هذه المياه من نوعين، نوع عذب فراث، أي بملوحة لا تكاد تبين، وليس هناك بحر يعرف بعذوبته، أو حتى بملوحة تقبل من ناحية المذاق أو الشراب، فكل مياه البحار معروفة بالملوحة، فالمياه الممزوجة، أو التقاء مياه بمستويين من الملوحة في البحار، يكون كما سنبين حسب أسلوب كيماوي، وقانون رياضي دقيق، وليس بظاهر النص، كما قد يظن عامة الناس، أن هناك بحر مالح وبحر عذب.

لقد عثر بعض الباحثين على مناطق في البحار بعذوبة تشبه عذوبة المياه الشروبة، أو قد تقترب منها، وهي في وسط البحار، والمعروف أن ملوحة البحر كيفما كان، تتعدى بكثير ملوحة المياه العذبة، ولاحظ الباحثون كذلك، أن هذه المنطقة لا تمتزج مع المياه المالحة، وتبقى منعزلة تنتقل أو تتحرك بنفس الاتجاه و تأخذ تركيزا عاليا من الملوحة، وإذا رجعنا إلى مبدأ تنقل المادة في ميدان هندسة الأساليب، نجد أن هناك قوانين رياضية تستعمل لضبط الأسلوب الكيماوي، والقانون الذي يتبعه تبادل المادة بين وسطين. ويكون هذا القانون على الشكل التالي:

: x طول المسافة
: m1 كمية المحلول بالوسط 1
n1 : عدد المولات بالوسط 1

ويكون الوسط 2 بتركيز من الأملاح أعلى من التركيز بالوسط 1. ويتبع المزج اتجاه السهم من حيث تهاجر أو تمر الأملاح من الوسط 2 إلى الوسط 1، لتستوي عند تركيز قار أو ثابت ومتساوي في الوسطين، وهو ما يعبر عنه في علم هندسة الأساليب بالتوازن، ويتبع هذا المسار قانون فيك "Fick " الذي يحدد انتقال المحاليل في وسط سائل متحرك وفي جميع الاتجاهات، لأن قانون فيك يخص حالات عديدة من النماذج أو المسارات التي يتبعها انتقال المحلول في السائل وهي:

§ الحالة الأولى: النظام الثابت، ( السائل ثابت والانتقال بنفس السرعة).
§ الحالة الثانية: النظام المتغير وفيه أربع حالات:

- الانتقال في شكل غير متناهي من جهة.
- الانتقال بين صفيحتين متوازيتين.
- الانتقال داخل الشكل الأسطواني.
- الانتقال الكروي.

وقد اخترنا النظام المتغير في جميع الاتجاهات، أو لتسهيل الأمر نأخذ النموذج البسيط، وهو الانتقال بين صفيحتين متوازيتين، فنفرض أن الصفيحة الأولى الماء العذب، والصفيحة الثانية الماء الأجاج، ونأخذ اتجاه انتقال الملح من الوسط الثاني (ماء أجاج) إلى الوسط الأول (ماء عذب).

ونطبق قانون فيك على انتقال الملح من الماء الأجاج إلى الماء العذب:

Ф = - grad Cs

وتمثل Cs تركيز الملح الذي سينتقل من الوسط الثاني إلى الوسط الأول، ولنفرض أن هناك منطقة يكون فيها التركيز ما بين الأجاج والعذب وهو تركيز يمشي حسب المسافة وحسب الوقت، ولا يمكن ضبطه لأن حل المعادلة الرياضية لقانون فيك تعتمد على تحديد الشروط الأصلية والنهائية لهذا الانتقال. ونكتب قانون فيك على شكل قابل للحل وسهل:

dms / A.dt = - D . dCS / dy
m1 . dn1 / dt = A.β0 (n1* - n1)
m / Aß0 . dn1 / (n1* - n1) = dt
: Cs تركيز المحلول.
m1 : الكمية.
A : المساحة.
A ß0 = D = معامل الانتقال.

وإذا أردنا اختزال هذه المعدالة لمعرفة الوقت الذي يستغرقه تنقل المحلول أو الملح ليتم توازن الوسطين حيث يصبح التركيز تابت. فنجد:

t = m1 / A . ß0 ∫ dn1 / n1* - n1 n1* =ثابتة
t = m1 / A . ß0 . Ln [ ( n1* - n1a) / ( n1* - n1b ) ] = 0
t → ∞

t = الوقت الذي يحتاجه المحلول ليصل إلى التركيز الثابت أو تركيز ما بين المستوى الأول والثاني غير متناهي أو بتعبير آخر فإن توازن التركيزين مستحيل.

وإذا كان تنقل المادة في اتجاه واحد بتيار متوازي، فإن انتقال المادة من الوسط الغني إلى الوسط الفقير يمشي مع الوقت، وأن التركيزين قد يصلان إلى توازن بينهما بعد وقت لا نهاية له، ولذلك نجد أن المنطقة المالحة لا تتغير ملوحتها، نظرا للتنقل الطفيف، وكذلك المنطقة العذبة لا تتغير عذوبتها، وقد نستعمل نماذج أخرى لقانون انتقال المادة فنأخذ المسار المتغير والذي يأخذ بعين الاعتبار المسافة التي تشملها المنطقة المركزة، والمسافة التي تشملها المنطقة العذبة عند x و x - 1و x + 1 ونعني ب x المنطقة المتوسطة بين المنطقتين. وفي هذه الحالة نختار التنقل بين صفيحيتين متوازيتين، ويكون تنقل المادة ليس بالتوازي، وإنما بالتعامد مباشرة من المنطقة الغنية إلى المنطقة الفقيرة، ونأخذ النموذج المتغير بعامل التنقل ثابت.

ðCs /ðĐz = ð.ð2Cs /ðz2

t = 0 Cs1 Cs0
t > 0 Cs1 Cs0
t 1 Cs1 Cs0

تنتقل في اتجاه واحد، نظام متغير ابتداء من t = 0.

ΔC / ΔC0 = Cs1- Cs / Cs1 - Cs0 = 4/Π .Σ(-1n) /2n +1.exp[-(2n +1)2.(Π/2)2 . F0 ]
Cos[(2n +1).Π/2.Z/ΔZ]
F0 = D.t / (ΔZ)2

- إذا كان الوقت متناهيا فالمتتالية تكون محدودة.
- إذا كانت الكمية ms(t)هي الكمية التي مرت إلى الصفيحة بعد وقت t وms(∞ ) الكمية بعد وقت لامتناهي فإن المعادلة تصبح:

ms (t) / ms (∞) = 1 - Σ 2 / ( 2n + 1) . (Π/2)2 . exp [( 2n + 1)2 . (Π/2)2 . F0]

فالقانون الرياضي الذي يحكم تنقل المادة من وسط إلى آخر لا يمكن أن يحل بطريقة رياضية دون معرفة الشروط التي يتم فيها التنقل، ونحدد بعض المعطيات لنسهل حل المعادلة وإلا فلا يمكن. ونفرض أن التركيز العالي يكون بتركيز معروف، وهو المحلول المتشبع، ونعلم كم من غرام في اللتر من الملح في مياه البحر، ويتكلم الله سبحانه وتعالى عن تركيز معروف فيقول 'ملح أجاج' فلو جاء التعبير ب'ملح' يكون التركيز غير معروف، لكن 'ملح أجاج' يعني تركيز التشبع ((Saturation، وكذلك التركيز الثاني، وهي المنطقة الغنية، والتي يكون فيها هذا التركيز معروفا كذلك، لأن التعبير ب'عذب فراث' يعني أن كمية الملح الموجودة بالمحلول جد ضعيفة وتقترب من الصفر C = 0.
Cs t = 0 C0

وكل ما يهمنا من هذه المعادلة الرياضية، هو بيان الوقت الذي ربما يستغرقه تنقل الأملاح، ليصبح التركيز متجانسا في المنطقتين، وهو وقت غير متناهي، وهذا الطرح طبعا يبقى محتملا للخطأ لأنه من تخمين البشر، أما الحقيقة القطعية فلا يمكن أن تحسب بالرياضيات ولا بحل المعادلات الرياضية في ميدان هندسة الأساليب، وإنما هو أمر يتعلق بالقدر بخالق الكون وقدرته تعالى، ولما يدخل الغيب ضمن المعادلات الرياضية، فإن الأمر يختلف تماما، لأن القدر لا يحسب، ولا يمكن أن نتحكم فيه بالرياضيات، وكل هذه الطروحات العلمية التي تعرضنا لها، إنما لنبين عظمة هذا الكتاب الذي يرفض العلماء أن ينيطونه بالمستوى الذي يليق بالذي أنزله، وقد بينا هذه العظمة أنها فوق كل حساب بشري، وفوق كل القوة البشرية العقلية.

ونعلم جيدا من الناحية العلمية مدى أهمية تحديد التركيز للمادة الذاتية، وهي الأملاح بالنسبة لموضوعنا. وكل الأساليب الكيماوية تنطلق من تركيز أصلي أو أساسي معروف وتكون هجرة المادة أو الأملاح من وسط إلى وسط حسب الشروط الأساسية والظروف الكيماوية والفيزيائية التي تجري فيها هذه الهجرة أو الانتقال والقانون العام في الكيمياء يجعل المواد تمشي من الوسط الغني إلى الوسط الفقير حسب ال Diffusion)) وحسب الضغط الأزموزي ونبحث دائما عن التوازن في الأساليب الكيماوية والذي يتم عند تساوي الكمون الكيميائي (chemical potentiel).

محلول مثالي :
(XA . γA)1 = (XA . γA)2= Const
الكسر الجزيئي XA =
معامل النشاط= γA

ولنقرب القارئ من المعنى، يجب أن نقف عند التعبير القرآني، فنعطي الكلمة ما تستحقه من بيان، حيث يقول الجليل " هذا عذب فراث وهذا ملح أجاج "، فاستعمل صفتين لكل نوع من الماء، الأول عذب فراث، والتاني ملح أجاج. فكان يكفي أن يقول الجليل هذا عذب وهذا ملح. نعم لو كان الوصف يخص الجانب الأدبي. لكن الوصف يخص العلوم، فيجب أن يكون مدققا، لأن التعبير بملح يكون نسبيا، وربما يظن أنه بمستوى ملوحة المياه الجارية، فلما جاء التعبير بملح أجاج، أصبح التركيز معروفا ومدققا، وهو الحد الذي لا يطاق بالنسبة للمذاق، ملح أجاج بمعنى أن التركيز أصبح ناقص ما يحمله الماء من ملح، بل يقترب من التركيز الذي لا يسمح بالذوبان، ويعبر عنه في الكيمياء بالتركيز Saturation ويكون التوازن حسب المعادلة الكيماوية التي سنرى فيما بعد ليتأكد الناس أنه ليس أي مستوى من الملح وإنما هو مستوى مرتفع جدا، وكذلك عذب فراث، فلو اكتفى الباري بتعبير عذب، لكان نسبيا وقد يكون مالحا بعض الشيء، ومما اعتاد الناس من المياه. أما عذب فراث فيعني أن الماء ليس فيه أثر الملح، ماء عذب ناقص ما يمكن أو يكاد أن يكون ماءا مقطرا.

ويجب أن نتوقف وقفة تمعن وتمحص في كل ما سبق، لنوضح أن الماء لا يتحكم فيه البشر، وهذا الطرح لا يمكن أن ينكره أحد لأن الله سبحانه وتعالى بين حدين لا يمكن للبشر أن يتحكم فيهما من خلال العلوم، وهما حد الإنزال من السماء، وحد جعل ماء الأرض أجاج أي بتركيز مرتفع من الملوحة من حيث لا يصلح لشيء. وقد جاء في القرآن الكريم ما يزكي هذا الطرح. ونشير إلى أن التعبير في القرآن جاء كذلك للتذكير بالتدقيق، لقوله تعالى في سورة الواقعة: أفراأيتم الماء الذي تشربون أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ (69) لَوْ نَشَاء جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (70)

من خصائص القرآن المكي أنه يقرع الآذان، ليلفت ويحول عقول الناس إلى الخلق وكيفيته وعظمته، ولا يحتاج إلى بحث علمي ليدرك الناس الحقيقة العلمية بقراءة يسر كما قال سبحانه وتعالى في سورة القمر " ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مذكر". والخطاب الذي جاء في الآية الكريمة يفهم باليسر ويفهم كذلك بالعلم على مستوى عالي، فالماء لما يكون أجاجا لا يصلح لشيء ولذلك جاء هذا الخطاب في الآية الكريمة " أفرأيتم الماء الذي تشربون " فهذا الخطاب في حد ذاته حجة وتوضيح ونتيجة بحث علمي لا يحتاج إلى مختبر وتمدرس لمدة سنين عديدة. فالإنسان يعرف هذا الماء الذي يشربه ويعرف ويدرك أن هذا الماء الصالح للشرب له خصائص وانه من السهل أن يصبح غير صالح للشرب لأنه لا يمكن شرب ماء البحر ويزيد الخطاب إلى شيء ليس في متناول البشر و لا يمكن أن يصل إليه فيقول " أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون" فالإنسان يعلم أنه غير قادر على إنزال الماء من المزن فليس له أمام هذا العجز إلا التسليم بوجود الخالق عز وجل القادر على إنزال الماء من المزن وهو الله. وأخيرا في النقطة الثالثة وهو المستوى الذي يبين فيه الله سبحانه وتعالى قدرته على الخلق لأنه هو الذي خلقه فهو قادر على أن يجعله كيف شاء أو يغيره أو يصرفه عن من يشاء أو يقضي على هذا الخلق لأنه من صنعه وهو يتحكم فيه مطلقا. فيقول سبحانه " لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون ". نعم يمكن أن يجعله أجاجا فلا يصلح للشرب ولا يصلح للري ولا يصلح لشيء بل ربما يقضي على الحياة بهذا التركيز من الملح الأجاج **بمعنى مالح لا يمكن أن يصاغ ولا يمكن أن يشرب لشدة الملوحة.

نعلم في ميدان الهندسة الأساليب أن الماء يتبخر بسرعة لما تكون المحاليل بتركيزات كبيرة وكون مياه البحار تحمل أملاح بتركيز مرتفع يجعل التبخر على الحرارة البيئية سهلا ليصل إلى التوازن بين الهواء (الطور الغازي) والماء ( الطور السائل) لكن هذا التوازن لا يتم لأن الرياح تحمل البخار ويبقى الماء يتبخر دائما لكون التوازن لم يحصل. ونعلم كذلك أن البخار يكون ماء صافيا نقيا خاليا من الأملاح من حيث يصعد الماء الصافي على شكل بخار ولا تصعد الأملاح والمركبات الأخرى. وبهذه العملية تتم تصفية ماء المطر ليسقي الأرض دون أن يؤثر عليها لأنه لا يحمل الأملاح، وهو يشبه الماء المقطر ما عدا بعض الغبار والغازات التي تصطدم بالمطر وهو ما يكون في بعض الحالات الأمطار الحامضية وهي حالة كارثية وليست طبيعية. فالحكمة من جعل الماء يتبخر ثم يتكاثف ويحمل في السحب على شكل كسف أو ثلج يجعل عملية التصفية تلقائية وهو ناموس كوني من خلق الله سبحانه الذي أتقن الخلق.

وهنا نرجع إلى الحقيقة العلمية التي تتجلى في الفرق بين مياه الأمطار ومياه الري الأخرى. فالتساقطات المطرية تأتي بماء تقريبا شبه مقطر، لا يحمل أملاح معدنية مثل ملح الصوديوم والبوتاسيوم والكلسيوم والماغنيزيوم الخ.. ومياه التساقطات المطرية لا تفسد التربة ولو استمرت ملايين السنين، لكن مياه الري تقتل التربة وتفسدها بالأملاح بعد بضع سنوات من الري، وهو ما يقع حاليا لمناطق الري. هذه الحقيقة تجعل خلق الله يفوق بكثير كل تصرف بشري، وقد يخطر ببال بعض المشرفين على تدبير الاقتصاديات، فيظن أنه بإمكانه استغلال المياه والطاقة لري الأرض بدل التساقطات، وقد يخطر له أن يتحدى الجفاف، وهو تصور خاطئ لأنه ما يحصل الآن بمناطق الري يبين حقيقة الكوارث التي تقع بسبب الري لمدة قصيرة، تصير التربة غير صالحة للزراعة ولذلك يقول الجليل في آخر الآية " فلولا تشكرون فهل يستحق الأمر شكر الله أم لا؟ كلا كلا.

خاصية الحياة

نتكلم في هذا الجزء عن خصائص الماء المرتيطة بالحياة، ونتكلم عن وجه من أوجه الإعجاز الذي لا يزال يفتقر إلى الحقيقة رغم المحاولات العديدة التي جاء بها الإخوة المهتمين بالموضوع في العديد من المناسبات والمقالات حتى أنها كادت تغلو في دين الله عز وجل. ولذلك يجب على كل المختصين في الميدان أن يراعوا على الأقل هذا التخصص وأن يعملوا على البحث الميداني بدل استقاء الحقائق العلمية عن طريق جمع المعطيات من بحوث أخرى فنحن قادرون على تفسير الحقائق دون الرجوع إلى المنشورات الأجنبية.

وهكذا فالتحليل الذي سنأخذ به يتطرق إلى موضوع التخصص ويهم مستوى قد يستعصي فهمه على جل القراء، لكن لا بد من إظهار الحقيقة القرآنية بالمستوى الذي يليق بها ليتزلزل بعض المتدبدبين وليعلم الناس كلهم بما في ذلك بعض المغترين بالعلوم أنه الحق من ربهم وأنه القرآن وأنه سيبقى القرآن الذي نزل كما نزل ولن ينقص منه شيئ ما بقي الليل والنهار.

جاء ذكر الماء مقرونا بالحياة في عدة سور من قرآن ربنا، ونأخذ ما جاء في سورة الأنبياء لقوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ30)

تكلمنا عن هذه الآية سابقا فيما يخص ذكر الماء مع فتق الأرض، لنبين أهمية الماء بالنسبة للخصائص الفيزيائية، التي عملت على تبريد الأرض، ثم الخصائص الكيماوية التي ساعدت على تحول الصخور إلى تربة، وكذلك كل المفاعلات الأخرى التي وقعت على سطح الأرض، وهناك القسم الثالث الذي يشمل الحياة، وهي خاصية مهمة في هذا الكوكب الأرضي. ويكون الماء هو أصل الحياة على هذا الكوكب منذ فتق الأرض إلى الآن. فالمجال الحي يشمل التربة إلى حد عمق كبير في الأرض، ويشمل المياه والجو إلى حد علو كبير، وهذا المجال يدور حول الماء والأوكسايجن. وخاصية الحياة في كوكب الأرض، تتوقف على الماء لأن كل مخلوقات الأرض مائية.

descriptionالماء ... Emptyرد: الماء ...

more_horiz
عالم النبات

تمتاز المملكة النباتية بكونها ذاتية التغذية، من حيث لا تستهلك المواد العضوية، وإنما تمثل مادتها عبر الطاقة الضوئية أو الشمسية، وثاني أوكسايد الكربون، مع الماء والأملاح المعدنية. فالتمثيل الضوئي Photosynthesis)) هو أسلوب يميز النبات عن الحيوان والجراثيم، وهو أسلوب يأخذ فيه الماء الحيز الكبير. فالنبتة لا يمكن أن تخرج إلا عند مستوى عالي من الماء، أو النشاط المائي، وحيث تبدأ النبتة في التمثيل فلابد من الماء، وإلا تموت، لأن الحوادث الأحيائية تتوقف على الماء، وحيث تجمع أوكسايد الكربون مع الماء داخل الخلايا، فإن الخلية مجهزة بعناصر تسمى باليخضور ((Chloroplast والتي تتخصص في استعمال الضوء، لتحول الكربون والماء إلى مادة حية، يعبر عنها كيماويا بالكربوهيدرات أو مائيات الكربون، والتي تأخذ كتابة كيماوية C(HO)n، وتدل على جزيئة الخشب، وهي الألياف التي تكون بنية النبات، وتعتبر من المواد المهمة جدا بالنسبة للنبات، وطبعا فإن هذا النبات يمثل أشياء أخرى مثل السكريات والزيتوت والعديد من المركبات الأخرى الصالحة للإنسان.

ويقترن ذكر النبات بذكر الماء، لأن الماء يعتبر المادة المصدر للمواد النباتية "وجعلنا من الماء كل شيء حي" وليس التمثيل وحده هو الذي يمكن أن نتكلم عنه، وإنما هناك عدة مجالات يدخل الماء في تشكيلها، ولنتسائل كيف يمكن للماء أن يدور في جسم النبات بدون أي جهاز للضخ، فبالنسبة للحيوان هناك القلب الذي يقوم بدور الضخ، أما النبات فلا قلب له، وإنما آية من آيات الله تجعل هذا الماء يدور في النبات، ولنا أن نتصور صعود الماء، من أعماق الأرض، إلى أوراق شجرة بعلو مائة متر. ويمكن أن نرجع إلى الخصائص الفيزيائية والكيماوية للماء لنعرف كيف يتم ذلك.

العامل الأول: التوتر السطحي أو الشعيرية: Tension Surface

تمثل هذه الخاصية القوة الجاذبة على سطح سائل ما، لجمعه في نقطة بقطر أقل ما يمكن، أو مساحة أقل ما يمكن. من حيث تحدث هذه القوة صعود السائل في أنبوب بقطر 0.1 مم إلى مستوى 15 سم تحت حرارة 18 °م، وينخفض التوتر السطحي مع صعود الحرارة. فتكون مثلا 0.07275 دين في السم عند درجة 20 وتصبح 0.06618 عند درجة 60 . وترتفع مع وجود أملاح ذائبة بالماء. كما أن هناك كيماويات أخرى تعمل على خفض التوتر السطحي وتسمى بالمواد Tensioactives. وتلعب خاصية التوتر السطحي دورا في صعود الماء إلى الأوراق والأغصان هو من بين العوامل التي تساعد على دوران الماء في النبات إلى جانب عوامل أخرى.

العامل الثاني : الضغط الأوزموزي : Osmotic pressure
وهو الضغط الذي تحدثه الأملاح بالمحاليل، من حيث يصبح الماء قابلا للتبخر، أو التنقل من الوسط الذي يرتفع فيه الضغط الأوزموزي، وهو ما يسمى غالبا بالنسبة للكيماويين بالتبادل الأزموزي، وتستعمل هذه الخاصية في توازن المحاليل الكيماوية، وتنتقل الكيماوية من تركيز عال إلى تركيز منخفض حتى يتم التوازن، وهي خاصية تجعل الماء يمر في الاتجاه المعاكس للكيماويات، مما يساعد على دوران الماء في النبات.

ويعطي مثلا تركيز 95 غرام من الملح في اللتر، ضغط أوزموزي يساوي 10514.98 باسكال عند درجة 15م°، ونعلم أن الماء الذي يمتص من التربة أو من الأرض يكون محملا بالأملاح المعدنية وبعض الأيونات مثل النايتريت (NO3-). وتساعد الأملاح الذائبة في الماء على تصعيد الضغط الأزموزي.

العامل الثالث: القوام والسيلان Viscosity
أما قوام الماء فجد ضعيف، وتعتبر هذه الخاصية ذات أهمية قصوى بالنسبة للضخ وجريان الماء، وكلما ارتفع القوام، كلما تطلب الضخ قوة كبيرة، لدفع المادة داخل القنوات. ويتغير قوام الماء، مع تغير الحرارة، إذ يرتفع كلما هبطت الحرارة، فقوام الماء عند درجة 0 هو1,797 ملباسكال في الثانية، ويصبح 0,723 عند درجة 35م°. كما يتغير بوجود مواد ذائبة بالماء كالأملاح، ولدى فإن قوام مياه البحار أكبر من قوام مياه الأنهار والآبار. فقوام الماء عند تركيز 5 جرام في اللتر من الملح (Sodium chloride)، هو 1,007 بينما يصبح 1,08 عند تركيز 20جرام من الملح في اللتر. ويلعب القوام دورا في جريان الماء في الأنهار، فلنتصور قواما مثل قوام الزيت، أو السوائل الأخرى كالوقود، فربما كان الجريان ضعيفا لانخفاض القوام، أو ربما كان ثقيلا لارتفاع القوام. ويساعد عامل القوام الضعيف للماء جريانه داخل النبات ومرورها عبر الجذور أثناء الامتصاص.

العامل الرابع: الضغط الجوي Atmospheric pressure

ويمشي صعود الماء في النبات، حسب قانون ماريوت PV = P0V0 ≡ Cst ، من حيث كلما انخفض الحجم، وهو حجم القنوات التي يجرى فيها النسغ داخل النبات، كلما ارتفع الضغط، لتبقى الكمية PVثابتة، وقد يرتفع الضغط كذلك مع الحرارة، لأن حرارة التربة يجب أن لا تتعدى 20 – 18 درجة مائوية، بينما تكون الحرارة الخارجية للأغصان والأوراق جد مرتفعة في بعض الأحيان، وتساعد الحرارة الخارجية على نمو النبات، لأن الامتصاص والتمثيل يكون في أقصى مستواه، وهو ما حدى بالزراعة الحديثة باستعمال الدور الزجاجية، لتكون الحرارة التي ينمو فيها النبات حوالي 37 درجة مائوية وقد تفوق هذا المستوى بالنسبة لبعض المزروعات، ونلاحظ أن النبات لا يأخذ في النمو بسرعة، إلا لما يمر فصل البرد القارص، ويكون النمو على أعلى مستوى في شهر مارس وإبريل، لأن الحرارة ترتفع.

العامل الخامس: الرقم الهايدروجيني pH
يعبر الرقم الهايدروجيني عن مدى محايدة الوسط أو حموضيته أو قاعديته، ويعتبر الوسط محايدا عند نسبة 7، ثم كلما انحدر هذا الحد يعتبر حامضا، أو كلما زاد على 7 يعتبر قاعديا. ولا يمكن لأي مركب كيماوي أن يتصف بخاصية الحموضة إلا في الماء، ويعبر عن هذه الظاهرة بالرقم الهايدروجيني (pH) ولا أحد من الكيماويين يجهل هذه الخاصية وأهميتها في شتى الميادين.

إن طبيعة المحاليل لا يمكن أن تتم بدون الماء، ولا يمكن استخدام أي سائل آخر غير الماء، لاستعمال خاصية الذوبان والحلمأة في أمور كيماوية شتى، ومنها الكيمياء التركيبية والتي يلعب فيها الماء الدور الأساسي.

إن أي مركب كيماوي يوضع في الماء، يصبح محلولا، إلا بعض المركبات المترسبة الغير قابلة للذوبان في الماء، وكل المواد الدهنية والمواد الأخرى، التي لا تذوب في الماء كالمذيبات العضوية (solvent). وتعتبر هذه الخاصية بالأهمية القصوى، ولا يمكن أن نحصل على ما نتوخاه من الخصائص إلا بالحلمأة في الماء ونختار من بين الأمثلة ما يلي:

إن البطارية تعمل بمبدأ انفصال الأيونات الإيجابية والسلبية، كل إلى جاذبيته المعاكسة، بمعنى يجر القطب الإيجابي إليه كل الأيونات السلبية، ويجر كذلك القطب السلبي كل الأيونات الإيجابية، حيث يتولد تيار كهربائي بين القطبين يمكن استعماله في العديد من الاستهلاكات اليومية المفيدة والنافعة للإنسان. ولا يمكن توليد التيار الكهربائي في البطارية بدون الماء.

وبعد استعراض هذه العوامل التي تجعل النسغ يجري في عروق وشعيرات النبات، نرجع إلى بعض الخصائص الأخرى، التي تجعل النبات يستعمل الماء كالحيوانات للانتعاش، ولنا أن نتسائل كيف يبقى النبات حيا أخضر عند ارتفاع الحرارة، ولا يجف ويفنى. ففي هذه الحالة كما سنرى بالنسبة للحيوان كذلك، يستعمل النبات خاصية التبخر، ليضخ الحرارة، وهذا التبخر يقع في دورات، ومع تبخر الماء تنخفض الحرارة على سطح الأوراق وتنتعش ولذلك نلاحظ أن الإنسان لما يستظل بشجرة ينتعش، لأن البيئة المحيطة بالشجرة، ترطب بالماء الذي يتبخر من الشجرة، فيصبح رطبا باردا نسبيا. وهذه الخاصية للماء تعتمد على العوامل الفيزيائية الأخرى.

العامل السادس: الحرارة النوعية Specific heat

لا شك أن قيمة الحرارة النوعية للماء لم توضع هكذا بطريقة عفوية أو بصدفة. وإذا عشنا طويلا بدون أن نعطي للعلم قيمته وغايته، فإن هذا العلم سيبقى سخيفا، إذا لم نبين الغاية التي جاء من أجلها. إن قيمة الحرارة النوعية للماء هي 4.18 كج/كلغ°م أو 1ككل/كلغ°م، وهي الوحدة الحرارية التي نستعملها في الحسابات الفزيائية لقياس وتقدير الحرارة. وتسمى كذلك قيمة التحويل التي بموجبها نحول الجول إلى الكالوري.

العامل السابع: الحرارة الكامنة heat Latent

ولنرى الخصائص الأخرى التي تبين جزما أن كل القيم التي تستعمل في الفيزياء الحرارية، وتبين كلها مدى أهمية الماء في حياة البشر. ونعلم جميعا أن الحرارة للماء تنقسم إلى قسمين:

الحرارة الكامنة للذوبان وهي 330 كج/كلغ أو 79 كك/كلغ
الحرارة الكامنة للتبخر وهي 2250كج/كلغ أو 539 كك/كلغ

وتستعمل هذه الخصائص والقيم لعدة أغراض، ومنها التبريد واستغلال حرارة التبخر في تحريك بعض الآلات اعتمادا على قوة التمدد وهذا الاختراع هو الذي طبع عصر النهضة، حيث استغله جيمس وات في صناعة المحرك البخاري والذي يعمل بامتداد بخار الماء، حيث يحدث ارتفاعا في الضغط، والذي يحرك الآلات وقد عرف هذا القرن القطار الذي يمشي بالبخار المائي كأول اختراع في ميدان الصناعات الثقيلة.

العامل الثامن: التمثيل الضوئي Photosynthesis

مما يميز النبات عن الحيوان، ويجعله ذاتي التغذية، خاصية التمثيل الضوئي، وهي استعمال الطاقة الضوئية (ضوء الشمس) لتمثيل المادة النباتية من الماء والكربون الهوائي.

n CO2 + n H2O --------------- (C H2O)n + O2

تقع هذه التفاعلات داخل الخلايا بواسطة جهاز اليخضور، ونلاحظ أن بدون الماء لا وجود للأحياء الذاتية التغذية وهي النباتات، ويمثل الماء الأساس الكيماوي للتمثيل عند هذه الكائنات الحية.

ولذلك يقترن النبات بالماء في كل الآيات القرآنية التي تتطرق إلى الماء، ونجد خطاب بإحياء الأرض، وخطاب بإخراج الثمرات، وخطاب بإنبات النبات، فالخطاب الأول سنعود له لاحقا لأنه لا يخص النبات وحده، وإنما الأحياء الأخرى الموجودة في التربة، ونأخذ خطاب الإنبات وإخراج الثمرات.

الإنبات:

يعتبر الإنبات بداية حياة للنبات انطلاقا من الحبوب أو البذور، أو انطلاقا من التبرعم بالنسبة للأشجار، فالحبوب تشتمل على المصدر الوراثي للنبات، أو الجنين النباتي في حالة نوم أو لبث، وما أن يصيبه الماء حتى تبدأ المفاعلات الكيماوية الأحيائية ثم يبدأ النبات في النمو. كيف يتم ذلك؟. ربما نجد كل التفاسير الممكنة في كتب علو الأحياء النباتية لكننا لن نجد أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يخرج النبات.


تحتوي الحبة على جنين النبات 'Germ' ودخيرة غذائية لهذا الجنين، قبل أن يبدأ في النمو عبر التمثيل الضوئي، وهذه المكونات يحيط بها غلاف، وحيث تكون هذه الحبة في وسط جاف ينخفض فيه النشاط المائي إلى ما دون 0.3 فإن الحياة تصبح منعدمة بمعنى النمو، لكن لا تزال بداخل الحبة وحالما توضع الحبة في وسط يرتفع فيه النشاط المائي إلى أكثر من 0.97 تأخذ الحبة الماء، ثم ينتفخ الجنين ويخرج من الحبة ليبدأ في الحياة، حيث يوجه جذوره إلى الأرض بينما يخرج الأوراق من التربة لترى الضوء وتبدأ العملية، فنلاحظ أن هذا الجنين يخرج من الحبة، لينطلق في دورة حياتية جديدة، من حيث لا يتوقف إلا لما يخرج الحب من جديد ثم يصفر ويفنى.

إذا كان النبات لا يحيى بدون الماء، نظرا للدور الذي يلعبه في جريان التفاعلات الكيماوية والأحيائية من إخراج النبات إلى الثمرات، فإن الحيوان لا يقل أهمية، ونرى أن الماء يلعب عدة أدوار في حياة الحيوان. ونرى أنه يستحيل وجود أحياء بهذا الشكل بدون الماء.

العامل التاسع : خاصية النقل

نعلم أن الماء بحالته السائلة يجري، وهذه الخاصية تجعله في غاية الأهمية، من حيث التفاعلات ونقل المواد المعدنية والمواد العضوية. وأول خاصية هي التناسل عند الحيوان، فبدون سائل لا يمكن لحياة الحيوان أن تستمر، ولا يمكن أن تكون هناك حياة للأنواع، فلنا أن نتسائل كيف يمكن أن تمر المادة الحية من الذكر إلى الأنثى؟ وهذه الخاصية التي جعلها الله سببا في تواصل وتكاثر وتناسل الحيوانات، قد فصلها في عدة آيات منها قوله تعالى في سورة الطارق: "فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (7) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (8) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (9) فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (10)"

والتعبير بالماء الدافق، يعني تحت ضغط ليتدفق، وإلا فلا يصيب الرحم ولا يصل إلى قراره، وكذلك ليسبح في الرحم إلى الوصول إلى البويضة، ولا يمكن أن يتم التخصيب إلا في وسط سائل، وهنا نرى أهمية الماء بالنسبة للأحياء منذ الخلق أو منذ البداية وقوله سبحانه: "ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ (8)"

فالتعبير بالماء على نطفة الرجل جاء في هذه الآية مخالفا للأوصاف الأخرى، ونرى أن هذا السائل الأبيض الذي يختلف عن الماء في لونه وشكله وكل خصائصه لكن رغم ذلك عبر الله عنه بالماء هذا التعبير يعني الحالة الفيزيائية وهي التدفق، وهي الخاصية التي تلعب الدور الأساسي في نقل الخلايا المنوية إلى رحم المرأة. والتدفق يعني الشكل وهو السائل ويعني الضخ أو الخروج بسرعة من عضو الذكر. ولولا هذه الخاصية وهي خاصية التدفق والسيلان ما كان للنطفة أن تصل الرحم. ويتكون مشج الرجل من الماء وهو العنصر الذي يمثل أكبر نسبة ثم الخلايا أو النطفة وبعض المكونات التي تحفظ هذه الخلايا وتسهل حركتها للوصول إلى المبيض عند المرأة.

فالخلق الذي تم لأمر إلهي بعدما خلق آدم عليه السلام من تراب وليس عن طريق التناسل، وكان هذا الخلق سهلا بالنسبة للخالق، لكن الطريقة أو الأسلوب الذي سيحيى به الإنسان ويتكاثر سيكون عبر التناسل. وتم الخلق الثاني وهي الأنثى حواء عليها السلام، ثم عبر الماء كانت السلالة. وخاصية النقل لا يمكن أن تكون عبر أي جهاز ولا عبر أي شيء غير الماء، وجعل هذه الخلايا الذكرية تسبح في الماء لتكون المني الذي يحقن في الرحم عبر جريان وسيولة الماء، فيستقر في الرحم ثم يقع الخلق السلالي الذي نراه اليوم عند الحيوان والإنسان.

تتكون المادة الحية عند الحيوان من 90 % من الماء وكل التبادلات عبر الجسم تجري عن طريق الماء، وهناك العديد من المواد التي تنقل عبر الماء.

فالحيوان لا يتغذى ذاتيا كالنبات، وإنما يتغذى عن طريق تناول المواد العضوية الأساسية للمادة الحية، وهي الكاربون والنيتروجين، ويجب أن تأتي هذه العناصر من الطعام، وهو ما يميز الحيوان عن النبات، أو ربما عن الملائكة التي هي مخلوقات نورانية، ولهذا السبب أو لهذه الخاصية، نعت الله الإنسان بتناول الطعام لأن تناول الطعام عند الأحياء يميزها عن النبات، ويقول تعالى في سورة الأنبياء: "وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لَّا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ" (8)

وهنا يقترن الطعام بالمدة التي يعيشها الإنسان، لأن كل الأجساد التي تتناول المواد العضوية أو الطعام، تنقضي وتموت، ولا يمكن أن تبقى حية دائما، وإنما لابد من النهاية، وهي خصائص جاءت في الآية، أكل الطعام والموت التي ترتبط فيما بينها. فكون الإنسان يتناول الطعام فهو ميت وكان عليه أن يعرف على الأقل هذه الحقيقة.

ونبدأ بأول عملية وهي أخذ الطعام بالفم، بحيث لا يمكن أن يبلع أو يسرط ليصل إلى المعدة بدون الماء، فلابد من المضغ ليمتزج الأكل باللعاب فيصبح سائغا ثم يمر آنذاك إلى المعدة وحيث يصل إلى المعدة يبدأ التحليل المائي (Hydrolysis) والذي يستحيل أن يقع بدون الماء، لأن المفاعلات الكيماوية تمشي بالماء، وإلا فليس هناك تحليل، وتمر الإقتياتيات إلى الأمعاء، حيث تمتص الخملة المعوية كل العناصر المختزلة أو البسيطة مع الماء، لتمر إلى الدم وعبر هذا الأخير إلى الخلايا.

فالدم سائل يجري داخل الجسم، حيث يأخذ الإقتياتيات من الخملة المعوية ليوصلها إلى الخلايا، ويأخذ الأوكسايجن من الرئتين، لتتم عملية الاحتراق داخل الخلايا، وهذه العملية تعطي طاقة وثاني أوكسايد الكاربون مع الماء، حيث يأخذ الدم هذا الدخان الذي تكون من احتراق المادة العضوية بالمايطوكندريات داخل الخلية، ليخرجها من الجسم عبر الأنف أثناء التنفس. والدخان الذي يخرج من الأنف، يتكون من الماء وثاني أوكسايد الكربون، فالماء يدخل في كل التركيبات الكيماوية والمفاعلات الكيماوية والأنزيمية داخل الجسم، ليكون العنصر الأساسي للحياة، وهناك عملية أخرى جد مهمة في التغذية، والتي يلعب فيها الماء دور النقل، فتغذية الحيوانات الثديية لصغارها تكون عبر الحليب والذي تأخذه الصغار مباشرة من الثدي عن طريق الرضع، وبدون الماء يستحيل مرور العناصر الغذائية من الأم إلى الرضيع، وهي عملية حيوية ومهمة جدا بالنسبة للحياة، حيث تكون في طور مبكر يصعب فيه على المولود الجديد تناول الأغذية، فيأخذها عبر الماء من الثدي على شكل حليب، ويستحيل إخراج أي مادة غذائية من الثدي إلا عن طريق الماء كناقل ومذيب لهذه المواد وكذلك كسائل يمكن مصه أو ضخه أو حلبه من الثدي .

ربما يظهر الأمر هينا لما نتكلم عن أهمية الماء بالنسبة للحيوان والنبات. وقد تكلمنا عن فايزيولوجيا جسم الحيوان وما يحتاجه من ماء لتوازن المستقلبات والمفاعلات الكيماوية التي تحدث في الدم أو داخل الخلايا لتعمل جميع الأعضاء وتؤدي وظائفها. وكما تكلمنا عن دور الماء بالنسبة للنبات ولا يمكن للبدور أو النوايا أن تعطي نبتة أو تشق الأرض بدون الماء ولا يمكن للحياة بمعنى النمو أن تتم عند النبات إلا بواسطة الماء.

لكن لما نتكلم عن الحياة الغير المرئية أو المفاعلات التي تطرأ في العديد من الأوساط فربما يتعذر التصور. إن أقرب الأشياء للبشر تلك التي تلتصق به ليل نهار وهي أكله وشربه. ونضرب مثلا بالأكل لأن هذه المادة التي تعطي الطاقة للجسم كما يسميها العلماء لا يمكن أن تصل إلى الأعضاء والخلايا وبالتدقيق إلى المولد الحراري أو المايطوكندريات داخل الخلايا. هل يستطيع إنسان أو أي كائن حي أن يبتلع الأكل بدون الماء؟ وهل يمكن للجسم أن يحصل عل الجزيئات بدون الماء؟ إن الهضم يستحيل بدون الوسط السائل. ثم هل يمكن للجزيئات وكل المركبات والمحاليل والأملاح أن تمر إلى الدم عبر الجدار المعوي بدون الماء؟ إن هذه الأسئلة حتمية الجواب وتضع الحقيقة للأشياء التي لا يمكن أن ينكرها أحد. وهناك ما يجعل المرء يخجل مما هو مدين به للذي أتقن كل شيء خلقه. ذلك أن المركبات الكيماوية التي تعبر الجدار المعوي إلى الدم ليست فقط لتزويد الجسم بالحرارة وإنما تذهب إلى تراكيب أخرى لتكون مواد جديدة أكثر أهمية من الأولى. ويتمثل ذلك في تمثيل مكونات الحليب الكيماوية والأحيائية بالتدي. إن هناك عناصر جد هامة بالحليب لا تأتي من الأغذية مباشرة ولا من الدم مباشرة وإنما تتنقل المركبات الكيماوية الأساسية من حمضيات أمينية وحمضيات دهنية وسكريات حيث تأخدها خلايا التدي ليتم التمثيل.

ونتناول مفهوم النشاط المائي والذي يعبر عنه ب Activity of water ويأخذ رمز aw. إن مفهوم النشاط المائي يعبر عنه بالمعادلة الرياضية التالية. aw = p/po ونشير إلى أن هذا المفهوم لا يمكن أن يدركه إلا أصحاب الاختصاص فهو لا يمثل نسبة أو كمية الماء الموجودة في المادة لكن الحالة التي توجد عليها هذه الكمية، بمعنى الماء الحر في المادة الذي يمكن إزالته والماء المشدود داخل المادة والذي لا يمكن إزالته أو على الأقل ليس بسهولة.

ويمثل كسر الضغط كمية بدون بعد أو بدون وحدة، ويعرف الكسر النشاط المائي، معنى ضغط الماء بالمادة ( (pعلى ضغط الماء الخالص (po) تحت نفس الحرارة. و العلاقة بين الرطوبة النسبية والنشاط المائي هي أن aw = 100 HR ومفهوم HR يعني رطوبة الهواء المحيط بالمركبات المراد معرفة النشاط المائي فيها.

والكل يعلم أن المواد العضوية تنعدم فيها الحياة كلما أخليت من الماء كالدقيق والحبوب ومسحوق الحليب والسكر وما إلى ذلك. وهناك استنتاجات يعلمها كل الناس وهي أن هذه المواد كلما أصابها الماء بدأت في الحركة والتحويل. فالدقيق إذا ما أضفنا له الماء وتركناه لمدة نرى أنه يتخمر وينتفخ ويتحول الى مادة أخرى وكذلك الشأن بالنسبة للحليب أو أية مادة طرية فيها نسبة مرتفعة من الماء. وسبب هذا التحول وجود كائنات حية بالمادة لا يمكن أن تنمو وتتكاثر إلا بوجود الماء في الوسط تماما كما هو الشأن بالنسبة لجميع الكائنات الحية الأخرى.

ولهذه الخاصية وهي خاصية النشاط المائي أهمية قصوى في ميدان تحفيظ المواد الغذائية بالتجفيف كالحليب واللحم والفواكه وما إلى ذلك. ,ما عملية التجفيف إلا إزالة الماء من المادة التي يراد حفظها من التحلل. ويجب أن تعلب المواد الجافة أو المجففة في أواني أو معدات محكمة من حيث لا يدخلها ريح. وفي حالة عدم التلفيف أو التعليب بطريقة سليمة ومحكمة فإن الرطوبة تتسرب إلى المادة والتي تمتص الماء من جديد لتظهر عليها الحياة وهي الجراثيم التي تصيب المواد المجففة أتناء الخزن. وأشهر هذه الجراثيم الفطريات لأنها تنمو عند مستوى منخفض من الرطوبة وتسمى بذلك الجراثيم المحبة للجفاف (xerophiles).

العامل العاشر: خاصية التبريد

نعلم أن الجسم إذا تعرض إلى حرارة شديدة ربما يصيبه ضرر لكن الجلد توجد به فتحات صغيرة حيث يتبخر الماء ويتكاثف على الجلد ليقوم بعملية التبريد ولذلك يعرق الإنسان لما يشتد الحر، وبالنسبة للحيوانات التي ليس لها غدد العرق فإنها تبخر الماء عبر الفم كالكلب لما يلهث وكالدجاج، ونلاحظ أن خروج العرق يمتص الحرارة ويقوم بعملية الانتعاش ويرتكز هذا الحادث على الخصائص الفيزيائية للماء.

تستغل هذه الخاصية في التبريد. ذلك أن بعض السوائل الأخرى تتعدى حرارة غليانها حرارة غليان الماء إذ قد تفوق حرارة غليان الزيوت مثلا ما فوق 200 م° أو 300 م°. وهناك بعض السوائل الأخرى التي لا تصل حرارة غليانها إلى 50 أو 60°م. وبما أن حرارة غليان الماء لا تتعدى 100 م° فهو يستعمل لتبريد جميع المحركات (السيارات والآلات الأخرى) ويمتص الماء الحرارة بشدة إذ يصل معامل الحرارة النوعية إلى 4.18 كج/كلغ°م. وتتغير مع صعود الحرارة فتصل إلى أدنى حد عند درجة 35.

وتكتسي كذلك هذه الخاصية أهمية قصوى بالنسبة للإنسان عند تعرضه لحرارة الشمس في البلدان الحارة، ذلك أن أول ما يفكر فيه المرء الاستحمام لينتعش الجسم، وكم يود المرء كذلك لو يفرغ عليه ماءا باردا عند اشتداد الحر. ويتم هذا فعلا حيث يلعب العرق وهو ماء يفرز من لدن خلايا الجلد دور التبريد ليمتص الحرارة، وتحدث عملية الانتعاش تلقائيا ويلاحظ أن العرق يكثر عند اشتداد الحر. ذلك أن في هذه العملية حكمة بالغة، ولكن المرء لا يدرك مدى تدقيق ومدى تقدير الله لهذا الخلق. وينتعش كذلك الجسم بالاستحمام عقب الجهد والرياضة والأشغال المتعبة. وقد بينت العلوم الحديثة أن فتحات الجلد الدقيقة تسد نتيجة الإفراز الناتج عن الجهد الجسماني بسبب العمل أو الرياضة بينما تفتح عند الغسل.

وكل الخصائص الفيزيائية تجعل من الماء السائل الوحيد الذي يمكن أن يستعمل في الميدان الصناعي، بل هناك بعض القوانين الفيزيائية التي وضعت أساسا على خصائص الماء التابثة، ولنرى هذه الخصائص ولنتفحص كذلك كل قيمة لهذه الخصائص.

العامل الحادي عشر: خاصية التبلل

بعض الأعضاء تكون دائما مبللة بالماء، وإلا توقف عملها مثل العين، فتعرض هذا العضو للبرد يجعله يجف، وربما تموت الخلايا، لكن ارتداد الطرف في كل حين يجعل هذا العضو دائما مبللا بالماء مثلما تسبح أعضاء المحرك في الزيت، فلا تتضرر من الجفاف أو الحرارة، والأنف كذلك ربما يجف من جراء إدخال الهواء الجاف، وسرعة إدخال هذا الهواء وإخراجه، تجعل الأنف يجف لكن المخاطية تقوم بإفراز الماء بطريقة منتظمة ودائمة، وكل هذه الخصائص تجعل أن الجسم يستهلك الماء على الدوام، ولا يمكن أن يتوقف عن استخدام الماء لبقائه حيا.

وليست النباتات والحيوانات، كيفما كان نوعها أو حجمها، هي التي تحتاج دائما للماء احتياجا سرمديا، وإنما هناك أحياء أخرى صغيرة جدا، لا تدرك بالعين المجردة، وهي الجراثيم أو الأحياء الدقيقة، والتي لا تحيى بدون الماء، ولا تنمو ولا تعمل، فالنشاط المائي الذي يسمح بنمو الأحياء الدقيقة يتعدى 0.9، ولا يمكن أن تنمو الجراثيم في ما دون نشاط مائي 0.6، وهو النشاط المائي الذي نجده في العسل، ولنرى كيف يكون الماء كذاك أصل الحياة عند هذه الكائنات.

يقول تعالى في سورة الأعراف: "وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (18)". ويقول كذلك في سورة الملك: "قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاء مَّعِينٍ "(30)

بعدما تكلمنا عن إنزال الماء، وكل الميكانيزمات التي يدور بها الماء في الطبيعة من خلال الآيات القرآنية، نتكلم عن الكيفية التي يخزن بها الماء، ونعلم أن الماء يكون على ثلاثة أشكال: البخار والسائل والثلج أو الصلب، وهذه الأشكال الثلاثة تعمل حسب ناموس مدقق، فهناك الثلج في السماء(السحب) وعلى سطح الأرض، وهناك المياه الجارية أو السائلة، وكذلك البخار في الجو، كما أن هناك توازن بين الرطوبة في الجو وفي المواد الحية على سطح الأرض. وكون الماء على ثلاثة أشكال يجعله صعب التحكم، لأن المياه حالما تسقط على الأرض، تأخذ طريقها إلى البحر، فتخزين الماء ليس من السهل، ولو أن قضية ندرة المياه غير مطروحة ضمن المشاكل الاقتصادية، فإنها تهدد البشر لكن الله سبحانه وتعالى يخزن هذا الماء، ليبقى قارا وثابتا، نستعمله وقت ما نشاء، وهذا التخزين يكون في جوف الأرض.

اعتقد الناس لفترة طويلة أن مياه الشتاء لا علاقة لها بالمياه الجوفية. ونجد هذا الاعتقاد عند أرسطو والذي جاء في الموسوعة البريطانية، لكن في أواخر القرن السابع عشر تبين أن هناك علاقة مباشرة بين مياه الشتاء والمياه الجوفية، وبذلك تكون نظرية دورة الماء في الكون مقبولة أو ممكنة. ولعل أبرز ما تشير إليه هذه النظرية أن الكمية المائية في الكون لا تتغير. ولو أن هذه النظرية تظهر غريبة، فإن صحتها تتوقف على إحصاء كمية الماء الإجمالية، وكذلك الشكل الذي توجد عليه في الكون هل هي متجمدة أو سائلة أو على شكل بخار أو سحاب. وليست الكمية المائية هي التي تهم، وإنما التوازن بين أشكال الماء في الكون وتوزيعها على كوكب الأرض. فقد يكون الماء موجودا بكثرة لكن لا يصلح إما لأنه متجمد أو لملوحته أو لوجوده بكثرة في وقت قصير كالفيضانات.

تحتل مساحة الماء 72 % من مساحة الأرض أي ما يعادل 360 كلم2. وتبلغ ملوحة مياه الأنهار 7 % بينما تصل ملوحة مياه البحار إلى 89 %. وتتوزع المياه على ثلاث مخزونات هائلة، منها مياه البحار والمحيطات والبحيرات، والمياه الجوفية، والمياه الفضائية على شكل سحاب أو رطوبة في الهواء. وتتصل كل مجموعة مع الأخرى اتصالا مباشرا ودائما من حيث تجري مياه السطح لتصب في البحر وتتبخر مياه البحار لتوازي الرطوبة في الماء، وتكون مياه الطبقات العليا في السماء كما تتسرب مياه السطح إلى المياه الجوفية وما إلى ذلك.

والمياه تكون على أنواع حسب وجودها في الطبيعة، ولا نتكلم عن المياه السطحية من مجاري وبحيرات وعيون وبحار كما قد يكون الماء على شكل ثلج كذلك، وفي بعض بقاع الأرض خصوصا الباردة، وإنما نتكلم عن المياه الجوفية والتي قسمناها كما قد سبق الذكر إلى عادية واستشفائية، لكن نقف عند الخطاب الإلهي في الآية الكريمة " فأسكناه في الأرض " فهناك نظريات تسلم بالعلاقة بين ماء المطر والمياه الجوفية، وهو أمر بديهي وهناك نظريات أخرى تقول بأن الماء خرج من الأرض ونستشهد عليها بقوله تعالى في سورة النازعات: "وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (30) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا ."(31)

والسياق في الآية التي نحن بصددها يأتي تزكية للنظرية الأولى، بمعنى أن الماء أنزل من السماء وشق القشرة الأرضية ليستقر في جوف الأرض على شكل فرشة مائية. والآية تصف حدثا متكاملا ومتصلا في الزمان والمكان ونعود لنتدبر المعنى العلمي مرة أخرى في الآية. فالمرحلة الأولى من حيث الزمان تصفها الآية بقوله في سورة المؤمنون : "وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ "(18)

وقد تكلمنا عن الإنزال وطبعا لا يكون إنزال الماء عشوائيا، وإنما بقدر لألا تطغى البحار على اليابسة ولألا يبقى الماء فوق سطح الأرض على شكل بحيرات فكلمة " بقدر" جد مهمة وجد مدققة فيما يخص الكمية المائية التي تدور في الطبيعة فالتوازن يتم بهذا الثبات للكتلة المائية على سطح الأرض وهو عامل المكان فيما يخص اتصال هذه المرحلة بالمرحلة الموالية، وهذه الأخيرة تصفها الآية بقوله تعالى " فأسكناه في الأرض" والعطف بالفاء يجعل الحدثين متصلين في الزمان من حيث لا انقطاع بينهما وهو ما يعني أن الماء يسلك إلى جوف الأرض مباشرة بعد النزول، ويستقر في الفرشة المائية. والتعبير بفعل ' أسكن ' يدل على الاستقرار في المكان والزمان لمدة طويلة لا نعلم طولها بالتوقيت الرباني. ونجد كذلك تعبيرا آخر لوصف نفس الحدث في سورة الزمر" أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ "(21)

وقد أتى التعبير في هذه الآية بلفظ أو فعل سلك، وهو وصف دقيق لمرور الماء من السطح إلى الفرشة المائية، ويكون هذا المرور على شكل ينابيع، كما يكون على نفس الشكل حين خروجه إما في الآبار أو في العيون وهو شكل الينابيع ولا يمكن أن نتصور نفوذ الماء من السطح إلى الجوف عن طريق آخر إلا الينابيع، لأن القشرة الأرضية تتكون من عدة أجزاء متوازية ومتصلة، وحيث يصيب الماء هذه الأجزاء ينحبس في حبيبات الطين فيتشبع هذا الأخير، ولا يترك الماء ينفد إلى الفرشة، ولو يبقى منحبسا على سطح الأرض لمدة طويلة، ولكن الينابيع تجعل الماء ينفد إلى الفرشة المائية بسهولة.

ولم يتوقف الخطاب عند وصف الحدثين وإلا ليس هناك ما يدل على الإعجاز لأن سياق الآية يفهم منه أن المطر ينزل على سطح الأرض، فيتسرب الماء إلى جوفها ويستقر إلى أن نحفر الآبار أو يتفجر عيونا وما إلى ذلك، وهي أحداث طبيعة عادية، لكن آخر الآية يدل أو يصف شيئا آخر يجعلنا ويرغمنا على التسليم بان هذا الماء قد يندثر في كل حين، وقد لا يبقى في جوف الأرض، وهو ما لا يمكن التحكم فيه لأنه من آيات الله سبحانه ويدخل في شؤون الله في خلقه. ونجد هذه اللمسة في آخر الآية حيث يقول البارئ " وإنا على ذهاب به لقادرون" وجاء التعبير باسم الفاعل والتنوين وهو ما يفيد الاستقبال مباشرة، لأن التعبير على المستقبل بالتنوين يعني أن الفعل قد يحدث مباشرة بعد الإخبار، وقد يحدث بعد وقت طويل، لكن الاحتمال يجعل المرء ينتظر هذا الفعل في كل وقت وحين. ويعني قوله البارئ في الآية الكريمة أن الله قادر على أن يذهب هذا الماء من جوف الأرض في أي وقت والتنوين يعني كذلك أن الفعل محقق ومؤكد.

ونجد هذه اللمسة الربانية التي تبين أن الماء لا يتحكم فيه البشر، وهو الناموس الكوني الوحيد الذي خصه الله سبحانه مباشرة بقدرته، وهناك آيات أخرى سنتطرق إليها في هذا الصدد والتي تبين هذه الحقيقة التي يغفل عنها الناس. وهي عدم القدرة على هذا الماء وعدم التحكم فيه ونجد قول الباري في سورة الحجر: "وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ ."(22)


وهي نفس اللمسة التي تكلمنا عنها بصدد قدرة الله، فآخر الآية يبين أن هذا الماء لا نتحكم فيه ولا نقدر على خزنه، والتعبير جاء كذلك باسم الفاعل "بخازنين" لكن هذه المرة بالنفي وهو أننا لا نقدر على تخزين الماء حالا واستقبالا، ونفس اللمسة الإلهية التي تذكر بهذا الخلق الذي هو أصل الحياة على الأرض، وهو سبب الحياة على هذا الكوكب نجدها في سورة الواقعة لقوله تعالى "أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاء الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ (69) لَوْ نَشَاء جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (70)"

وهو تذكير بطريقة أخرى تجعل الإنسان يقف ويتذكر ويتفكر، وكل هذه اللمسات الربانية لينتبه الإنسان إلى الذي خلق هذا الكون، فيبوء بهذه النعمة ويشكر الله ويعبده، فلم يطلب الله سبحانه أن يؤدوا ثمن الفاتورة على هذه النعمة، وإنما أمرهم أن يشكروه وينيبوا إليه ويعبدوه.

وقبل الحديث عن الحقائق العلمية والانعكاسات السلبية التي أحدثها التقدم التكنولوجي، نستعرض قول الباري وننطلق من الحقيقة القرآنية لنتأكد من المنحنى الخطير الذي تسير فيه الدول المصنعة.

فالخطاب الذي استعرضناه فيما يخص عدم قدرة الإنسان على تدبير الماء والتحكم فيه، يليه خطاب يذكر الإنسان بطريقة أخرى أشد خطورة وأشد وقعا، خصوصا وأن العلوم الآن أخذت تخبر بنفس الخطر الذي أخبر به القرآن.

يقول تعالى في سورة الملك" قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاء مَّعِينٍ (30)" ، وهذا الخطاب ينذر الإنسان أن هذه المادة لا يمكن أن يجدها في الطبيعة وجودا مطلقا، وكل الأبحاث العلمية في جميع الميادين أصبحت الآن تظهر بوضوح أنها تسير في الاتجاه الخاطئ، بعدما اعتمد الإنسان على تدبيره وتخمينه ظنا منه أنه قادر على هذه الأشياء وهي غيبية. فإن كان الخطاب الأول بشأن التحكم في الماء من إنزاله إلى خزنه إلى جعله أجاجا، وهي كلها أحداث تنبه الإنسان إلى الأمور الغيبية وإلى الرجوع إلى الحقيقة وإلى العقيدة، فإن الخطاب الثاني يغير من التذكير ويجعله بطريقة أخرى، فهناك نوعان من المياه التي جاءت بهما الآية الكريمة، الماء الغور والماء المعين، وهذين النوعين من المياه يمثلان حدان لجودة المياه:

- الماء المعين هو الماء العذب الذي يأتي من الطبيعة، وهو كذلك الماء الذي يأتي من المجاري الطبيعية كالعيون والآبار والشلالات وما إلى ذلك. فالماء المعين هو الماء الذي يخرج من المنبع بالخصائص الممتازة نظرا لعدم تلوثه وعدم إصابته بالعناصر الكيماوية أو الأحيائية أو الإشعاعية لتجعله غير صالح للشرب أو الاستعمال، وهذه الجودة كانت من ذي قبل أعلى مما هي عليه الآن.

- أما الماء الغور فهو الماء الذي يندثر ويذهب من سطح الأرض إلى باطنها، وقد يتبخر، ونرى أن هذا الماء قد يكون ظاهرا ولا يصلح لأي استعمال، كما قد يصيب الحياة الجوفية فيفسدها من جراء التلوث، وقد وصلت البشرية إلى مستوى من التلوث يجعل الإنسان يتساءل حقا عن السر الكامن في هذه المادة، التي لا تشبه المواد الأخرى التي تتعلق ببقاء الإنسان على الأرض . فشكل الماء السائل يجعله لا يستقر وهو يجري دائما وشكل الماء المتبخر كذلك غير مستقر، ولا يمكن ضبطه وشكل الماء الصلب أو الثلوج تحول الأرض إلى صحراء ثلجية لا حياة فيها وهكذا يظل الماء مادة تفتن بوجودها على شكلها المعتاد السائل.

فالماء المعين الذي ينبع من تحت الأرض صافيا عذبا فراثا يصلح للشرب ولري الأرض ولكل شيء، وهذا الماء العذب الصافي الصالح للاستعمال الغذائي والزراعي والصناعي والبيئي، لا يمكن أن نتحكم فيه، وإنما نقتنيه ونوزعه فإذا ما انقرض من على سطح الأرض، أو من جوفها، فلا حياة بعده، وهذا الانقراض الذي يعبر عنه القرآن بالماء الغور، ربما يكون كذلك بالتلوث أو بعدم حسن التدبير وهو الخطأ الذي تسقط فيه البشرية حاليا في جميع أنحاء المعمورة. وقد أخذت المياه الجوفية تستعمل استعمالا مفرطا يفوق الطاقة، وقد أخذت الفرشة المائية تجف وتقل، ونلاحظ أن عمق الآبار أصبح مهولا في بعض النواحي، ومع ذلك لا يزال الإنسان يتتبع هذا العمق ويستعمل الآن آلات أومضخات جد متطورة وبقوة عالية لاستخراج الماء من أعماق كبيرة، وقد كانت الفرشة المائية منذ سنوات قليلة هائلة، وربما يكون الماء بدأ يصبح غورا ولن تأتينا به المضخات والعلوم كما قد يتصور بعض الناس.

descriptionالماء ... Emptyرد: الماء ...

more_horiz
شكراااا لك اخي
بارك الله فيك
جزااااااااك الله خيرااااااا
privacy_tip صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
power_settings_newقم بتسجيل الدخول للرد